وهنا لم تشأ «توقية سيفي» أن تضيع الفرصة لمساندة الرجل الذي اختارها لتكون وزيرة في وزارته، ولتعبر له عن امتنانها بالجميل، فبادرت ـ وهي الوزيرة المسلمة الوحيدة في الحكومة الفرنسية (1) ـ في تصريح مطول لها يوم الأربعاء 5/8/1424هـ الموافق 1/10/2003م، أنها ترفض وضع الطالبات لغطاء فوق الرأس، وطالبت بتضمين إرشادات العام الدراسي 2004 توصية بمنع الطالبات من وضع ذلك الغطاء، وإجراء تحقيق فوري وموسع حول المظاهر الدينية في المدارس الحكومية التي تشهد تزايدًا واضحًا في عدد الطالبات المسلمات اللاتي يرتدين هذا الغطاء ويطلق عليه اسم الحجاب.
وتقية سيفي (43 عامًا) المولودة في عائلة جزائرية مكونة من عشرة أشخاص، هاجر والدها لفرنسا سنة 1945م واستوطن شمال فرنسا، عاملًا في مصانع الحديد والصلب، كانت أول عربية فرنسية دخلت البرلمان الأوروبي سنة 1999م، على قائمة حزب الديمقراطيين الليبراليين بزعامة آلان مادلين، ثم اختارها رئيس الوزراء الفرنسي المؤقت جان بيير رافاران في مايو 2002م، على قائمة حكومته التي تضم 15 وزيرًا و22 وزير دولة، لتكون أول وزيرة للتنمية الدائمة منذ 1958م.
? طرد شقيقتين محجبتين من مدرستهما:
واستجابة فورية لتصريحات الوزيرة المسلمة، اتخذ المجلس التأديبي في مدرسة هنري والون لاوبرفيلييه الثانوية الفرنسية قرارًا نهائيًا بطرد شقيقتين من المدرسة؛ لأنهما رفضتا نزع الحجاب.
مما دعا حركة مكافحة العنصرية والدفاع عن الصداقة مع الشعوب إلى إعلان قرار المجلس بطرد «إلما» و «ليلا» ليفي؛ المسلمتين الفرنسيتين، نهائيًا من مدرستهما في ختام اجتماع له يوم الجمعة 14/8/1424هـ الموافق 10/10/2003م.
وكانت إدارة المدرسة قد وجهت انتقاداتها المتكررة للطالبتين منذ بداية السنة الدراسية أمام زميلاتهما، معتبرة أنهما ترتديان زيًا بهدف التفاخر، وهو ما نفته الفتاتان باستمرار.
وبعد عدة اجتماعات كانت هيئة التفتيش الأكاديمية قد قررت يوم 24 سبتمبر الماضي طردهما مؤقتًا بانتظار اجتماع المجلس التأديبي.
وقالت «إلما» عند مغادرتها المجلس التأديبي: «أشعر بخيبة أمل وغضب، إنه أمر فظيع، أعتقد أن القرار اتخذ منذ فترة طويلة، وأرادوا أن يجعلوا القضية مثالًا» .
وبينما لم تعلق الوزيرة المسلمة تقية سيفي على الواقعة التي جاءت استجابة لتصريحاتها. من ناحية أخرى قال مولود أونيت رئيس حركة مكافحة العنصرية: «إنها هزيمة كبيرة تفضح العلمانية وضجيج ادعاءاتها بالفكر والحوار» ، كما أعلن جيرار تشوكاليان محامي الشقيقتين، عزمه على استئناف القضية أمام المحكمة الإدارية.
? نصيحة جزائرية لفرنسا بشأن الحجاب:
وعلى صعيد آخر صرح وزير الداخلية الفرنسي نيقولا ساركوزي، الذي قام بزيارة إلى الجزائر السبت 29/8/1424هـ الموافق 25/10/2003م، أنه تلقى نصيحة من العديد من الأشخاص الذين التقاهم بعدم الاستجابة لرغبات زميلته الوزيرة المسلمة العلمانية في إصدار قانون ضد الحجاب الإسلامي في فرنسا.
وقال ساركوزي أمام صحفيين فرنسيين إن بعض محاوريه حذروه من سن قانون يحظر الحجاب، معتبرين أن إصدار قانون إزاء هذا الموضوع سيؤدي إلى تشدد أكثر.
واعترف ساركوزي بصعوبة تشريع مثل هذا القانون، وقال إنه إذا اضطرت فرنسا لإصداره، فإن «صياغته ستكون صعبة» ، كما أكد أن «الوقت ليس مناسبًا لمثل هذا القانون» . وكان ساركوزي قد أبدى على الدوام معارضته لإقرار قانون كهذا «إلا كحل أخير» .
وأشار وزير الداخلية الفرنسي إلى أن ظاهرة ارتداء الحجاب تتراجع في المدارس، بينما يشهد ارتفاعًا في قطاع العمل، وقال إنه في المدرسة «يجب الوثوق بمديري هذه المدارس لعلاج هذا الأمر» معتبرًا في الوقت نفسه أن «وزير التربية الوطنية الفرنسي يمكنه إصدار التعليمات المناسبة لمديري المدارس» .
ومن جهته قال السفير الفرنسي في الجزائر دانيال برنار الذي كان حاضرًا أثناء الإدلاء بهذه التصريحات: إن وزير الخارجية الجزائري عبد العزيز بلخادم قدم له النصيحة نفسها.
? ملف التمييز العنصري:
وكان وزير الداخلية الفرنسي نيقولا ساركوزي قد اعترف في تصريح له تناقلته وكالات الأنباء يوم الأربعاء 12/8/1424هـ الموافق 8/10/2003م، بأن المسلمين في فرنسا يعانون من التحيز ضدهم في العمل ونقص دور العبادة وغيرها من الخدمات الدينية مقارنة مع أتباع الديانات الأخرى.
كما نقلت الوكالة الفرنسية قول الوزير الفرنسي في اليوم السابق مباشرة، أمام لجنة رسمية معنية بمراجعة قانون الفصل بين الكنيسة والدولة: «من الحقائق الاعتراف بأن مواطنينا من المسلمين لا يتمتعون بالحقوق ذاتها التي يتمتع بها معتنقو الديانات الكبرى الأخرى، وعلى سبيل المثال فإنه لا وجود تقريبًا لأي مسلم في المناصب الرفيعة في فرنسا، كما أن المسلمين يفتقرون إلى العدد الكافي من المساجد، وإلى أماكن الدفن في المقابر العامة والأئمة في المدارس، ويرجع ذلك إلى أن كثيرًا من المسؤولين الذين ينتمون إلى الأغلبية الكاثوليكية يستغلون القانون في التمييز ضد المسلمين» .
ثم وجه ساركوزي اتهامه إلى المجالس البلدية للمدن والبلدات برفض منح تراخيص لبناء مساجد، قائلًا: «بذلنا من الجهد في استغلال قوانين تخصيص الأراضي لعرقلة بناء المساجد، أكثر مما بذلناه في حماية شواطئنا من التلوث والأخطار» .
وأضاف: «إن المسلمين في فرنسا يفتقرون إلى معاهد لتدريب الأئمة، مما يضطرهم إلى استقدام أئمة من الخارج، وهؤلاء لا يتحدثون الفرنسية في كثير من الأحيان، ويدعون إلى الأصولية في بعضها» .
واعتبر ساركوزي أن المعاملة التفضيلية قد تساعد في دمج المسلمين، ومعظمهم من أصول عربية تنتمي إلى شمال أفريقيا على نحو أكمل في الحياة الفرنسية.
وانتقد وزير الداخلية الفرنسي المثقفين الفرنسيين الذين يخصون الإسلام بالانتقاد في معرض الحديث عن التمييز ضد المرأة، قائلًا: إن هذا يمثل مشكلة في جميع الديانات وليس في الإسلام وحده. وأوضح: «إنني لا أرى كثيرًا من النساء في مؤتمرات الأساقفة الكاثوليك في فرنسا» .
وأبلغ الوزير اللجنة المكلفة ببحث دمج الأقلية المسلمة في البلاد؛ بأنه ليس من المفيد إصدار قانون جديد متشدد يحظر على النساء والفتيات ارتداء الحجاب في المدارس أو في أماكن العمل الرسمية، واعتبر أن من شأن ذلك أن يعزل المسلمين ويشجعهم على تبني مواقف أكثر راديكالية.
وفي تعليقه على تصريحات الوزير الفرنسي، قال صادق سلام الباحث في الشؤون الإسلامية، في لقاء مع فضائية الجزيرة: إن هذه التصريحات أثارت ارتياحًا كبيرًا في أوساط الجالية الإسلامية التي تعاني في أحسن الأحوال من عدم المبالاة من المجتمع ومن التيارات الدينية والعلمانية على حد سواء في فرنسا.
وقال سلام: إن وزير الداخلية الفرنسي يجب أن يكون مثالًا يحتذى، في منهج التوفيق بين احترام عقيدة المسلمين وشعائرهم، واحترام قوانين الجمهورية العلمانية.
وحيث يعيش في فرنسا التي يبلغ عدد سكانها 60 مليون نسمة، نحو خمسة ملايين مسلم نصفهم من المهاجرين والنصف الآخر مولود في فرنسا، يمثلون أكبر تجمع للمسلمين في كل أوروبا، وثاني أكبر ديانة في فرنسا بعد الكاثوليكية، يتمسكون بالعودة لجذورهم الإسلامية رغم كونهم فرنسيين.