ولا يفوتني هنا تسجيل غياب التّوازن والعمق الضَروريَين بين الانفتاح الضّروري على الآخر النّامي علميّا وتكنولوجيا مع توقّي شرور هيمنته علينا من ناحية وخطر الانغلاق على الذّات واجترار الماضي بآستدعائه كلّية وتوكيله بمهمّة حل ّمشاكلنا في مجالات النّظام السّياسي والاقتصادي والثّقافي والتّعليمي لإخراجنا من التّخلّف وتحقيق التّحرير الشّامل لبلادنا وأمّتنا، وهذا ما جعلنا نخطيء الاستيعاب العملي لشروط تحقيق الإصلاح والنّهضة الّتي نادى بها خير الدّين ومحمّد عبده والأفغاني وغيرهم.
ولكنّنا في هذا السّياق ينبغي ألاّ نغفل الدّور الخطير والمعرقل لمسيرة الإصلاح والنّهضة تاريخيّا والمستمرّ ليس فقط من أجهزة القمع للدّولة المسنودة من الاحتلال وأجهزتها الأمنيّة الجهنّميّة في التّنكيل وقمع قوى التّنمية والإنعتاق التّحرّري لشعوبنا فحسب، بل وخصوصا قوى الاحتلال الثّقافي والحضاري من بني جلدتنا البيولوجيّين والمتشدّقين بحرّية الجماهير والدّيمقراطيّة وحقوق الإنسان في حين أنّهم يتدثّرون ويستقوُون على شعبهم ومخالفيهم بالمحتلّ القديم والجديد بل حتّى على بعضهم البعض.
إنّهم يمثّلون المحتلّ أهدافا وثقافة وهويّة ومصالح ممّا يذكّرنا بجيوب الاستيطان الأجنبي التي كانت قائمة أثناء الاحتلال المباشر القديم والمستوطنين في فلسطين اليوم. إنّهم الطّابور الخامس الذي يقتات ويتمعّش من دعم المحتلّ لاستمرار احتلاله وديمومة تخلّفنا عبر إلهاء شعوبنا وتبديد اهتماماتها عن التّركيز على المجالات الحيويّة لتحقيق التّحرّر والتّنمية بعيدا عن التّخلّف وصور الاحتلال المستمرّة والمختلفة الجاثمة على صدور شعوبنا. إنّهم يكمّلون دور الاحتلال من ناحية ودور النّظام القمعي المسنود ضدّ شعوبنا من ناحية أخرى.
وضمن هذه الأرضيّة المعقّدة والخطيرة وما تستدعيه من ضرورة رصّ صفوف لمواجهة المحتلّين القدامى والجدد بما في ذلك مخالبهم وأدواتهم السّاهرة على استمرار إحكام قبضتهم على كافّة الأصعدة على مستوى السّلطة المسنودة ضدّ شعبها وبعض فلول اليسار الإستئصالي الّذي صار يبيع خدماته للإمبرياليّة الدّوليّة خارجيّا وللتّعاون مع السّلطة الممثّلة للاحتلال ضدّ قوى التّحرّر والتّنمية في بلادنا وذلك منذ سقوط وليّ نعمتهم المتمثّل في الإتّحاد السّوفياتي الهالك.
وما يجب لفت الانتباه إليه هو أنّ القوى الإستئصاليّة في تونس وخصوصا منها تلك المشرفة أمنيّا على التّخطيط ومواصلة تنفيذ سياسة تجفيف الينابيع والّتي استهدفت وتستهدف التّديّن بجميع مظاهره وينابيعه مع التّركيز في الاستهداف اجتماعيّا على حركة النّهضة"أعضاء وأتباعا وأهالي"، وأمام فشل تحقيق سياسة الاستئصال المكثّف والمتّبعة منذ أكثر من عقد من الزمان، فقد توخّى شياطين الاستئصال سياسة جديدة.
ملامح هذه السياسة تجلّت منذ أواسط التّسعينيات في تجاوز التّوظيف الأمني لأفراد شيعة موالين لإيران مثل"كريم لعبيدي"وهو ينتمي لعائلة مرموقة (كان ينتمي أغلب أفرادها وذويهم لحركة النّهضة) ، وقد وقع تجنيده من قبل أعضاء من سفارة إيران بباريس في منتصف الثّمانيتات، وتحوّل الحال من وجود ضعيف جدّا لبعض العناصر الشّيعيّة في قفصة وقابس والذين استفادوا من الزّخم الكبيرالذي تمتّعت به الُّثورة الإيرانيّة الوليدة والتّجاوب السّياسي الشّعبي الّذين كان يتوق حينها إلى ثورة سنيّة تتناغم مع ما تحمله الصّحوة الإسلاميّة السّنّية في بلدان المغرب العربي الإسلامي من عمق إصلاحي نهضوي للأمّة حتّى تحقّق الإنعتاق التّحرّري وتطلّعات التّنمية في كافّة مجالات الحياة.
وقد استغلّ الإيرانيّون صدق وسذاجة الحركة الإسلامية التّونسيّة وقلّة خبرة التّونسيّين في التّحًّصّن لدرء مخاطر التّمزيق المذهبي من نافذة بعض قضايا الأمّة الحقيقيّة مثل احتلال جنوب لبنان وفلسطين من العدوّ الصّهيوني فكان الافتتان الثّاني شعبيّا بإعلام حزب اللّه"تلفزيون المنار"وكلّ هذا بعد اختراق محدود من بعض أتباع الشّيعة العراقيّين الّذين استغلّوا الأحداث المتوالية على الأمّة والتّضييق المباشر على حركة النّهضة ومحاربة التّديّن الشّرس أثناء العقدين الأخيرين.
إنّ العقل البوليسي منذ أواسط التّسعينات ولأوّل مرّة تجاوز سياسة الاحتواء والتّوظيف الأمني و السّياسي للفضاء الإسلامي - الذي استعصى على استئصاله بفضل اللّه - نحو استهداف تمزيق فضاء النّسيج الإسلامي الّذي كان في معظمه يتميّز بثنائيّة الإسلام التّقليدي الغير مسيّس أو التّابع للسّلطة والإسلام السّنّي المسيّس والمواجه لثنائيّة الدّكتاتوريّة المتسلّطة من الخارج والدّاخل، فحاولت تشجيع الصّوفيّة المنحلّة وتشجيع نمط السّلفيّة التّابعة لوزارة الدّاخليّة السّعوديّة، وتشجيع جماعة التّبليغ وخصوصا التّشيّع الذي أصبح يتغذّى من الإعلام (حيث يستقبل التونسيون حوالي خمس قنوات تليفزيونيّة شيعيّة ناطقة بالعربيّة) ، بل غضّ الطّرف وتشجيع البهائيّة والتّبشير وحتّى النّشاطات الاجتماعية الممولة من طرف جهات صّهيونيّة مشبوهة في أحياء وأحزمة الفقر بتونس العاصمة والشّمال الغربي.
إنّ استهداف تمزيق النّسيج المجتمعي لتونس المسلمة لتحقيق سلخها عن هويّتها العربيّة الإسلاميّة ودينها بالحديد والنّار وعبر الطابور الخامس الثّقافي والحضاري من ناحية وتوظيف المذاهب والتّوجّهات المستندة على أرضيّة الإسلام ليس حبّا فيها ولكن لاستغلالها ظرفيّا واستراتجيّا عبر زرع متناقضات مذهبيّة وأيديولوجيّة في نفس الوقت من أجل تحقيق"تكامل"بين سياسة تجفيف ينابيع التّديّن وسياسة زرع الفتنة القابلة للتّفجير في أيّ مرحلة في المستقبل من ناحية وقابليّة تشويه الصّف الإسلامي في أيّ لحظة.
وهذا ما يفسّر في نظري ظاهرة تعدّد العناصر التّونسيّة المتّهمة بانتمائها إلى القاعدة والمجموعات المتبنّية للخطّ العنيف، وكذلك ما يدلّ على تطوّر ونموّ العلاقات بين النّظام التّونسي وإيران، وسياسة غضّ الطّرف التي أصبحت تميّز علاقة حزب الله المنار والسّلطة التّونسيّة حاليّا.
إنّ محاربة التّديّن من ناحية والعمل على استئصال حركة النّهضة الإسلاميّة في حين تتواصل سياسات تلغيم الساحة الإسلاميّة المستعصية عن الإستئصال تمثّل سمْت السياسة الحاليّة للنّظام المسنود والطّابور الخامس للاحتلال المستمر لتونس، وهذا ما يفسّر أيضا تفشّي جماعة عبدة الشّيطان في صفوف المراهقات بالمعاهد الثّانويّة التّونسيّة في الوقت الّذي يُحارب فيه الحجاب بلا هوادة وتنفّذ سياسة التّمييز العنصري ضدّ الإسلام السّنّي والمشتبه في انتمائهم لحركة النّهضة.
من جهة أخرى، لا يفوتني التّنويه بأنّه لا يمكننا إلاّ التّرحيب بكلّ جماعات المسلمين بقدر وعيهم وبعدهم عن التّوظيف البوليسي أو استعمالهم أدوات لمعاداة فصيل إسلامي أصيل تحت المحنة مثل حركة النّهضة. وأنّنا ضدّ تشييع السّنّة أو تسنين الشّيعة وذلك من باب درء الفتنة أمام أولويّات المعركة الكبرى المستهدفة لبيضة الإسلام في بلادنا بوجه خاص.
كما نرحّب على أساس ما ذكرت بمدّ يد التّعاون على البرّ والتّقوى والتّآخي بين المسلمين كافّة وخصوصا أهل السّنّة ببلدنا الحبيب تونس، وهذا لا يمنعني كإبن لحركة النّهضة أن أعترف بالتّقصير في مجال تحصين أبناء الحركة من آفات كلّ المذاهب الّتي يعتبر علماء أهل السّنّة أنّ فيها ضلالات دون إخراج من ينتسبون إليها من الملّة المحمدية.