ويؤكد شيلر أن هذه الجهود تنبثق عن وزارة الدفاع الأمريكية التي تسهم في وضع السياسة الأمريكية في مجال الاتصالات، وهذا هو الشكل المباشر للجهود، كذلك تنبثق عن الشركات الأمريكية الخاصة (RCA-NBA) وهي من أكبر الشركات المرتبطة بعقود مع الوزارة المذكورة (15) ، وإذا كانت وسائل الاتصال الأمريكية مرتبطة بالسياسات الاقتصادية والخارجية والدفاعية الأمريكية، فإن هذا يعني أنها أداة من أدوات الهيمنة السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية الأمريكية على العالم من جهة، وأداة من أدوات استمرار التخلف والتبعية الشاملة للدول النامية استمرارًا للمصالح الغربية والأمريكية من جهة أخرى (15) .
أ- الاتجاه الثاني لتفسير الظاهرة:
وهو تفسير أنصار نظريات الانتشار والتحديث الثقافي (16) ، ويرى أنصار هذا الاتجاه وجوب عدم إطلاق أحكام فضفاضة مثل (الهيمنة الثقافية) أو (الاستعمار الاتصالي) ، فهذه أحكام لا أساس لها من الصحة، فانتشار وسائل الإعلام الغربي والمواد الاتصالية الغربية داخل الدول النامية، سواء من خلال محطات التلفزة الوطنية أو الأقمار الصناعية: لا يشير إلى أي شكل من الهيمنة أو الاستعمار أو السيطرة، ولكنها عملية احتكاك ثقافي ضروري من أجل التنمية والانتقال من حالة التخلف إلى حالة التنمية، وهم يفسرون قضية انتشار الإنتاج الغربي في ضوء مفاهيم تجارية اقتصادية وهي رغبة الدول الغربية في تحقيق أرباح، كما أنهم يفسرونها في ضوء حاجات الدول النامية إلى الأخذ بالنظم السائدة في الدول المتقدمة اقتصاديًّا للانتقال من مرحلة إلى مرحلة حتى تصل إلى المستوى نفسه للدول الغربية المتقدمة اقتصاديًّا، وإلى جانب هذا: فإن أنصار نظرية الانتشار يميلون إلى تفسير انتشار المواد والإنتاج الاتصالي الغربي في ضوء طبيعة المنتجات الغربية (المعلومات، الأخبار، البرامج، الأفلام، الإعلانات، المسلسلات..) من حيث الجاذبية والتقنية العالية وانخفاض السعر.. إلخ (16) .
ويؤكد أنصار نظرية الانتشار على خطأ إهمال أنصار نظرية التبعية للعوامل التي تؤثر في حركة انسياب المواد الاتصالية بين الدول المتقدمة والدول النامية، كما أنهم يخطئون عندما يتجاهلون علاقة التأثير والتأثر المتبادلة في هذا المجال وذلك نتيجة لتركيزهم على آحادية اتجاه حركة المواد الاتصالية.
وهم يخطئون ثالثا عندما يتجاهلون الآثار الإيجابية للمواد الاتصالية الغربية داخل الدول النامية.
جوانب الاختلاف بين الاتجاهين:
ويمكن إبراز أهم جوانب الاختلاف بين أنصار نظرية التبعية، وأنصار نظرية الانتشار والتحديث في ظاهرة عدم التوازن في مجال الاتصال والإعلام والغزو الثقافي فيما يلي:
أولًا: منطلقات الدراسة: فأنصار الانتشار ينطلقون من عملية التنمية الوطنية لنظم الاتصال، ومن الدور الذي تلعبه القيم والمعايير الاجتماعية في تنمية هذه النظم، أما أنصار نظرية التبعية فينطلقون في تحليل ظاهرة الهيمنة الاتصالية من تحليل علاقات القوى الدولية وتصنيف الدول إلى تابعة أو هامشية، ودول مركز.
ثانيًا: النظر إلى حالة التبعية: أنصار نظرية الانتشار ينظرون إليها على أنها حالة مؤقتة، يمكن زوالها من خلال استيعاب التقنيات والعلوم الغربية وتطويرها وتوظيفها في خدمة التنمية الوطنية الشاملة، ومن خلال تنمية القدرة على استنبات آليات وتقنيات وطنية، أما أنصار نظرية التبعية فينظرون إلى الهيمنة الاتصالية على أنها حالة دائمة ترتبط بسيادة الرأسمالية والنظم العالمية الحالية (الليبرالية) .
ثالثًا: النظرة إلى الدور الذي يلعبه النظام الاتصالي: فأنصار نظرية التبعية يرون أن هذا النظام يكرس قوة القوي، وضعف الضعيف وإبقاء (عدم التوازن) على ما هو عليه، أما أنصار نظرية الانتشار فينظرون إلى النظم الاتصالية على أنها وسائل تخدم عملية التنمية الوطنية وتنمي حوافز الإنجاز والإنتاج وتسهم في التنمية البشرية بشكل عام، فالتعرض للمواد الاتصالية التي أفرزتها الدول المتقدمة صناعيًّا تستثير الدافعية للإنجاز عند أبناء الدول النامية، وتزيد طموحاتهم، وتطلعهم على أنماط ثقافية جديدة ومعلومات جديدة تفيدهم في النمو.
رابعًا: يسعى أنصار نظرية الانتشار إلى الحفاظ على الوضع العالمي على ما هو عليه، مع إجراء بعض التعديلات الوظيفية أو غير الجوهرية عليه، أما أنصار نظرية التبعية فيذهبون إلى ضرورة تغيير النظام العالمي القائم على الرأسمالية وانعدام التوازن والهيمنة الغربية الشاملة على مقدرات العالم، وهذا يعني إحداث تغييرات بنائية في النظم الداخلية والدولية على كل المستويات.
خامسًا: يرى أنصار نظرية الانتشار أن التغيير يبدأ من الداخل وبجهود وطنية، وتتسع لتصبح جهودًا إقليمية، وتركز هذه الجهود على التنمية وإزالة الحاجة إلى دول الغرب، وهم يرون أن مطالبة العالم الغربي بالتخلي عن مصالحه وإلغاء النظم الرأسمالية، مطلب مستحيل وغير قابل للتحقق، وهذا ما توصلت إليه لجنة ماكبرايد (رئيس اللجنة الدولية لدراسة مشكلات الاتصال في العالم) (4) .
هذه هي أهم التوجهات النظرية بشأن تفسير ظاهرة السيطرة أو الهيمنة الثقافية والإعلامية.
تقويم الاتجاهين إسلاميًّا:
وعند محاولة تقويم هذين الاتجاهين فإن النظرة الإسلامية الموضوعية والمتوازنة ترفض الأساس أو المنطلقات الراديكالية التي تقف وراء نظرية التبعية، كما ترفض المنطلقات الليبرالية والمصالح الغربية التي تقف وراء نظرية الانتشار والتحديث الحضاري، فهناك النموذج والمشروع الحضاري الإسلامي بمنطلقاته وأسسه وثوابته المستمدة من المنهج الإلهي المبني على وحي السماء، غير أن هذا الرفض لا يعني الاتفاق مع هاتين النظريتين في بعض الأمور، وفيما يلي بعض الملحوظات العامة بصدد الظاهرة المدروسة:
أولًا: يكشف الواقع عن ظاهرة التسلط الثقافي الغربي على أجهزة التلفاز الوطنية والقنوات الفضائية التابعة للدول النامية والمتقدمة صناعيًّا في الوقت نفسه.
ثانيًا:أن هذه السيطرة أمر مهدد للهوية الثقافية للدول النامية، ومن بينها الدول الإسلامية والعربية.
ثالثًا: هناك العديد من المخاطر التي تهدد الدول المستقبلة للبرامج الغربية للاتصالات، منها مخاطر اقتصادية وسياسية ودينية وثقافية، ومخاطر تتهدد برامج التنمية داخلها، ولعل أكبر هذه المخاطر هي المخاطر الدينية والثقافية والتربوية لأنها تؤدي إلى محاولة تغريب العقل العربي وعقول الناس في الدول الإسلامية، الأمر الذي يفصلهم عن مصدر قوتهم وسموهم ورفعتهم ـ وهو الإسلام ـ وأسس الشخصية الإسلامية.
رابعًا: توظف الدول الغربية المتقدمة صناعيًّا هذه البرامج بشكل مدروس لضرب الفكر الإسلامي والشخصية الإسلامية، حفاظًا على الاحتكارات والمصالح الغربية.