فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 719

وقد انصبت الآراء والنظريات والأفكار المطروحة حول تأثير هذه البرامج الغربية واسعة الانتشار على الهوية الثقافية للدول المستقبلة لهذه البرامج، وعلى مستقبلها الاقتصادي والثقافي والسياسي، وعلى نوعية الاتجاهات والقيم والسلوكيات والأفكار التي يمكن أن يتبناها الأطفال والشباب في تلك الدول نتيجة لتعرضهم ساعات طويلة يوميًّا لمشاهدة هذه المواد الاتصالية المصاغة في الغرب، التي تستهدف ليس فقط ترويج البضاعة والسلع الغربية ـ ومنها السلع الثقافية بما فيها البرامج والأفلام والمسلسلات والتقنية الاتصالية ـ، وإنما أيضًا تسويق القيم والاتجاهات والسلوكيات والأخلاقيات الغربية، خاصة الأمريكية. ولم يقتصر الحوار والجدل والاهتمام بهذه القضايا التي تمس الهوية الاقتصادية والثقافية والسياسية والفكرية والدينية والوطنية على مثقفي الدول النامية ومنها الدول الإسلامية والعربية، وإنما دار هذا الحوار والاهتمام أيضًا بين مثقفي الدول الصناعية الكبرى سواء في الغرب مثل فرنسا وكندا أو خارج الغرب مثل اليابان (11) .

وكما يشير وبستر فإن البرامج والمادة التلفزيونية تعكس بالضرورة قيم البلاد التي تنتجها، وحتى عندما لا تكون لهذه البرامج سمات سياسية، فإنها لا تخلو من قيم اقتصادية أو ثقافية أو دينية أو أخلاقية، ولكل أمة هويتها الثقافية والقيمية، وقد تتصادم هذه القيم المحملة في برامج الإعلام والاتصال الوافدة مع القيم والهوية الثقافية للدول المستوردة أو المستقبلة (9) .

وقد طرح على ساحة أدبيات الاتصال العديد من التفسيرات والنظريات لتفسير ظاهرة سيطرة الغرب بشكل عام وأمريكا بشكل خاص على المادة التلفزيونية، سواء في شكل أخبار أو معلومات أو إعلانات أو مسلسلات أو أفلام أو برامج متنوعة..

أ -اتجاهان لتفسير الظاهرة:

الاتجاه الأول وهو:

الاتجاه الذي يركز على نظرية التبعية Dependency Theory

الاتجاه الثاني وهو:

الاتجاه الذي يركز على نظرية الانتشار Diffusion Theory

أ -الاتجاه الأول لتفسير الظاهرة:

والاتجاه الأول يعود إلى عدة رواد مثل فرانك (13) ، ومن أنصاره المحدثين: ولرشتاين في دراسته عن (النسق العالمي الجديد) (14) .

وتقوم نظرية التبعية بأشكالها المختلفة على تقسيم العالم إلى مراكز وأطراف، فالقوى والدول الصناعية الكبرى هي المراكز، تتخذ من الدول الفقيرة والنامية (الأطراف) ميدانًا لزيادة ثرائها، وهذا يعني استغلال المراكز للأطراف اقتصاديًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا، وتهيمن دول المركز على الأطراف لإلغاء هويتها، ومن مظاهر هذه الهيمنة أو السيطرة: الهيمنة الاقتصادية والسياسية والاتصالية أو الإعلامية، وهنا تصبح الهيمنة الاتصالية أحد أشكال الهيمنة الشاملة، وهي أخطر هذه الأشكال لأنها تمهد السبيل لكل الأشكال الأخرى من الهيمنة، ولأنها تستهدف عقول الناس وقيمهم وشخصياتهم، تمامًا كما تستهدف ثرواتهم وسياساتهم.

فدول المركز تستهدف في نظر أصحاب نظرية التبعية إلغاء الهوية الثقافية للدول الطرفية، وتشكيل ثقافة عالمية متجانسة هي الثقافة الاستهلاكية التحررية، وتوظيف إمكانات الدول الطرفية في خدمة الرأسمالية العالمية، وهذا يعني تحويل هذه الدول إلى سوق يتم فيه تسويق:

1-المنتجات الثقافية الغربية (القيم والعادات، والسلوكيات، والتفضيلات، وأساليب الفهم والفكر، والتحليل والتفسير، ورؤية العالم) .

2-المنتجات الاقتصادية الغربية.

3-الانتماء الفكري للغرب بكل نظمه وأيديولوجياته ومبادئه.

وقد أفاض كل من فيجيس و شيلر و نورد نسترونج و فارس و أرجيومندو في عرض هذا الاتجاه (15) .

وهذا يعني أن الهيمنة الثقافية من خلال وسائل الاتصال تدعم حالة عدم التوازن وعدم العدالة والانقسام الدولي الراهن إلى دول مركز مسيطرة، ودول تابعة خاضعة مستنزفة ومستغلة لصالح دول المركز.

والواقع أن السيطرة على المعلومات وعلى التكنولوجيا وعلى البرامج في مجال الاتصالات، تؤدي إلى تزايد القدرة على السيطرة على أذواق الناس وفكرهم وسلوكهم الاستهلاكي، والتكنولوجيا المتقدمة تعني مزيدًا من القدرة على الوصول بالرسائل إلى دول أكثر وجمهور أكبر، وبشكل أكثر إغراءً وجاذبية، وبالتالي: تعني فتح أسواق أوسع أمام القيم وأمام السلع الغربية في آنٍ واحد، وكل هذا يعني مزيدًا من السيطرة الاقتصادية والفكرية والثقافية (1) ، فالغرب هو الذي يسيطر على الأجهزة والمعدات المتصلة بالاتصالات، وهو المسيطر على صناعة الرسائل والمواد الاتصالية، وهو الذي يسيطر على صناعة الأخبار وصياغة الأنباء وتوظيف الأخبار بما يخدم أهدافهم، فأهم وكالات الأنباء المسيطرة على توزيع الأخبار على تلفزيونات وصحافة العالم هي الوكالات الغربية (الأسوشيتدبرس) ، و (اليونيتيدبرس) ، و (رويتر) ، ووكالة الصحافة الفرنسية، وكذلك وكالات الأنباء التلفزيونية المصورة في أنحاء العالم المختلفة (1) .

وأغلب الدول النامية لديها قناتان تلفزيونيتان، تبث خلالهما ساعات إرسال طويلة على مدى النهار والليل، بينما لا تملك برامج ومواد وطنية تغطي أكثر من عشر ساعات على الأكثر، ولهذا تضطر للاعتماد على استيراد المواد الاتصالية ـ وغالبيتها من الولايات المتحدة الأمريكية ـ، وقد وجد أن أكثر من نصف البرامج المستوردة التي تبثها الدول الآسيوية هي برامج أمريكية، و25% من البرامج الإنجليزية، وأغلب دول أمريكا اللاتينية تستورد 50% من البرامج التي تبثها، وتصل النسبة في بعض الدول أكثر من ذلك، فهي في (أورجواي) 62% وفي (جواتيمالا) 48% وأغلب هذه البرامج تستورد من الولايات المتحدة الأمريكية، ويقدر مجموع مبيعات المواد الاتصالية (برامج ومسلسلات وأفلام سينمائية) في أمريكا سنة 1985 إلى ما يقرب من 290 مليون دولار (1) .

كل هذا يشير إلى الهيمنة الثقافية والاتصالية، وإلى تبعية دول العالم الثالث أو النامي للدول الغربية، خاصة الولايات المتحدة، ومع تقدم تقنية القنوات الفضائية: يكون العالم الثالث قد سلّم آخر ما لديه من أسلحة لمقاومة الغزو الفكري، وهو سلاح التحكم أو السيطرة النسبية أو الرقابة، التي ما يزال يستخدمها بقدرٍ ما من الفاعلية إزاء المطبوعات وإزاء المادة التلفزيونية المستوردة (15) .

كل هذا يثير قضية الهوية الدينية والثقافية والقيمية والوطنية، كما يثير قضية السلوك الاستهلاكي والتنمية الاقتصادية، ويثير أيضًا قضية السيطرة السياسية والتنشئة الاجتماعية والسياسية والدينية، ويثير قضية اختراق العقل الوطني، أو تغريب عقول أبناء الدول النامية.. إلخ داخل الدول التي يطلق عليها الأطراف، الأمر الذي يتطلب حلولًا فعالة لمواجهة هذه الأزمة، على أن تتسم هذه الحلول بالحكمة والتخطيط والتعقل، هذا عن الاتجاه الأول، وهو اتجاه نظرية التبعية التي تتحدث عن الهيمنة الثقافية، التي يعرفها شيلر بأنها: جهود واعية ومنظمة تقوم بها الاحتكارات الأمريكية في المجالين العسكري والاتصالي للحفاظ على تقدمها، وبالتالي: على نفوذها في المجالات المختلفة (15) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت