لم يحظ مصطلح بحيِّز واسع من الجدل في حواراتنا الثقافية والأدبية المعاصرة، كما حظي مصطلح"الحداثة"!!..هذا المصطلح ذو الوجوه والارتباطات المتعددة أثار جدلًا واسعًا بين الأنصار المدافعين عن حوزته باستيعاب أو بغير استيعاب والنُقَّاد القادحين في شكله الفني وما يستبطنه من فكرة وأيديولوجيا، دارت معارك طويلة على ساحات منابرنا الفكرية والأدبية.. ولمعت هنا وهناك رموز لهذا الفريق أو ذاك، كلٌ تلون بلون الخلفية المنهجية التي ينتمي إليها.. وربما كان المثقفون الإسلاميون هم الأطول باعًا وأشد ساعدًا في مصارعة هذا الوافد الدخيل، فهم ينطلقون في نقاشاتهم من نظرة تبحث في جذور الحداثة وتنقب في ارتباطاتها الأيديولوجية، ولا تقتصر على تناول القوالب الفنية للنص الأدبي كما يصنع غيرهم.
الحداثة تعبير عن فوضى الحضارة الغربية:
تعاني الحداثة كغيرها من المصطلحات الوافدة من فجاج التيه الغربي من أزمة هوية وماهية، بدءًا من نقطة"التعريف"انتهاءً بالتصورات الكلية والأسس المنهجية بل إن الحداثة هي مولود سِفَاح مطموس الملامح حتى عند الغربيين أنفسهم.. فهي تعبر عن الفوضى الحضارية والفكرية التي جاءت بها الحرب العالمية الأولى.. يقول عنها رينيه ويليك:"مصطلح قديم وفارغ".. ويصفها روجر فاولر بأنها"مصطلح مطاط"!! أما مالكولم برادبري فيرى أن"هذه التسمية تحوي كثيرًا من ظلال المعنى الذي لا تنجح في استخدامه بصورة دقيقة".
ويجئ هذا الإشكال البنيوي من كون الحداثة هي سليلة مراحل الصراع الاجتماعي والفكري في الغرب، ووليدة مراحل الانتقال الفجائية في أوروبا القرن العشرين حيث أسهمت التطورات السياسية وما أنتجته من قوى اجتماعية جديدة في طفو زبدٍ هائل من المدارس والأيديولوجيات في الفن والأدب والاجتماع والاقتصاد وكل مناحي الحياة.. كلها تنطلق من ظلال الحالة النفسية لعقلٍ شَكَّلَهُ عدم الاستقرار وسرعة التحوُّل...
كما تأثر مصطلح"الحداثة"بتصورات مفكري ما عرف بالتنوير.. وأسهم في تشكيل أصوله مفكرون عرفوا بتمردهم على الأسس التقليدية والمفاهيم السائدة والبدهيات، من أمثال فريدريك نيتشة، وكارل ماركس، وسيجموند فرويد، هؤلاء الذين جعلوا كثير من اليقينيات محط تساؤل مثل التصورات الدينية، والأخلاقية، فأنشأوا حالة من عدم اليقين شاملة، مما كان له انعكاسه في الثقافة والأدب بصورة مباشرة.. ومن أوائل المدارس الأدبية التي بدت كمظهر أولي في"مسمى"الحداثة ما عرف بالمدرسة"الدادية".. تلك الحركة التي حملت البذور الأولى لما عرف فيما بعد بمسرح العبث واللامعقول.. وكلمة"دادية"نفسها تم اختيارها بالذات لأنها عبارة لا معنى لها ولا مفهوم!!.
الحداثيون العرب:
الحداثيون العرب ـ كمتلقين يمارسون التنظير الثقافي لمصطلح غامض الدلالة ـ لا يكادون يتفقون على تصور واضح لماهية ما يعتقدونه [1] ، بل لا يكادون يتفقون على شيء اللهم إلاّ المجابهة والرفض لقيم الأمة وعقائدها!!.. ولعل أبرز رسل الحداثة العرب؛"أحمد سعيد علي"المعروف اشتهارًا بـ"أدونيس"كان من أكثر المعبرين بجلاء عن هذا القدر من التصور المتواضع عليه عندهم.. بل إن هاجسه الأكبر هو التمييز كما يزعم بين"المغايرة الشكلية، والمغايرة الجوهرية"!!.. ويقصد بلفظ"المغايرة"؛"إنتاج نقيض ما هو سائد"وهي تصبح"شكلية"إذا كان التنقيض لمجرد المغايرة.. أما المغايرة الجوهرية فهي الأساس لأنها كما يقول"تقتضي قطعًا مع التأسلف والتمغرب"وتمارس تهديمًا شاملًا للنظام السائد وعلاقاته أعني نظام الأفكار".. ولكن حركة الصراع العملي عند هؤلاء لم تمارس هذا"القطع"المزعوم مع"التمغرب" فهي سليلته واللحمة بينها وبينه قوية.."أدونيس"نفسه من أين جلب هذا "اللقب"الذي يعبر عن الهروب والذوبان في الماضي والحاضر الغربي!؟.. أليس"أدونيس الأسطورة"هو إله الخصوبة عند الإغريق القدماء، كما هو رمز الجنس الذي ارتكس في حمأته الواقع الغربي؟!.. لهذا طفحت أخيلة المجون في نصوص"أحمد سعيد"الهارب إلى عبادة الجسد وأيام البغاء المقدس في أعياد أدونيس الإغريق، وفي حمى الأنفاس الملتهبة في حاضر الغرب.. اسمع قوله:"
نيويورك:
"أيتها المرأة الجالسة على قوس الريح"
"غارقة في فضاء الأرقام"
"فخذا في الماء... وفخذًا في السماء"
ولكن هذا"القطع"مارسه الحداثيون مع تراث الأمة وقيمها وعقائدها التي يعبر عنها أدونيس بـ"التأسلف"!! يقول"لا تنشأ الحداثة مصالحة، وإنما تنشأ هجومًا.. تنشأ إذن خرقًا ثقافيًا جذريًا وشاملًا لما هو سائد".. وتأكيدًا لهذا القطع، فإنه يمجد كل حركات الزيغ والضلال في التاريخ الإسلامي.. ويُوجِد صلة بينها وبين"حداثته"في الأصول النظرية والمعرفية.. فهو يحدد الحداثة في عمقها التاريخي بتيارين؛ سياسي فكري وتيار فني، ويمثل للأول سياسيًا بكل الحركات المناهضة"للسلطة"كالخوارج والزنج والقرامطة"وفكريًا بالتصورات الاعتزالية والعقلانية والإلحادية والتَصَوّف.. أما التيار الفني فيعبر عنه بقوله"أبْطلَ القديمَ وتجاوزه وتحوَّل الإبداع فيه إلى جهد إنساني، يمارس فيه الإنسان عملية خلق العالم!!"."
جدلية الشكل الفني والأيديولوجية:
يحاول بعض سدنة الحداثة أن يصور القضية على أنها مجرد صراع وتمرد على القوالب والبُنَي التقليدية للإبداع. وأن الحداثة إنما تعنى بتحديث الذوق الفني والتحرر من قيود القدماء التي لا ضرورة لها في العالم الحديث!.. وفي كل هذا يحاول الفصل بينها وبين الأيديولوجية.. وبينما يفلسف للنصوص والتعابير المثيرة للحفيظة الدينية لدى المسلمين بالتأويل شيئًا، وشيئًا بالمناداة بحرية التعبير الفني، وعدم وضع قيود على الإبداع كأن المبدع قد ُرفع عنه القلم وتارة بالصراخ في وجه الإرهاب الفكري والكبت الثقافي والتكفير.
وعلى النقيض يرد المتشبثون من الجانب الآخر بقوالب الشعر العربي القديمة وأوزان الخليل بن أحمد، برفض كل ما يخالف المألوف، ويعتبرونه تخريبًا للجمال.. وهكذا احتدمت في ساحة الصراع قضيةٌ انصرافية في كثير من جزئياتها.
والقسط أن الإبداع الفني العربي لم يعرف جمودًا في تاريخه على شكل واحد، بل قبل بالتجديد في القالب والبنية والصور الفنية.. فمن (الوقوف على الأطلال) وتعدد الموضوعات في القصيدة الواحدة عرف الشعر (الوحدة الموضوعية) .. ومن (القصيدة العمودية) إلى (الموشحات الأندلسية) .. وإذا كان الأدب إجمالًا لم يعرف في الجاهلية وصدرًا من الإسلام غير الشعر ونذرًا يسيرًا من الخطب وغيرها، فقد عرف أشكالًا جديدة فيما تلى من عصور، مثل (المقامة) و (التوقيع) و (الرسائل الإخوانية) .. فليست هذه هي القضية طالما أن قيدًا من قيود الإبداع الفني يظل موجودًا ليميز بين الشعر والنثر مثل التفعيلة والجرس الداخلي ويظل حارسًا للجمال ومانعًا من فوضى التعبير. إن القضية هي قضية الفكر والفلسفة، فالحقيقة أن الحداثة منشؤها فلسفي في المقام الأول والأدب انعكاس له.. يقول الدكتور حلمي القاعود.."لقد حاولت أن أقنع نفسي باستخدام مصطلح (الحداثة الأدبية) ، وإن كان داخلي غير مقتنع أصلًا، لسبب بسيط وهو أن أية نظرة لابد أن تنطلق من مفاهيم فكرية، وأسس أيديولوجية، أيًّا كانت هذه الأسس والمفاهيم". لماذا كل شعراء وأدباء الحداثة هم أبناء قبائل العلمانية واليسار والقومية والليبرالية وغيرها من الأفكار غريبة الوجه واللسان؟!!.