فهرس الكتاب

الصفحة 182 من 719

لقد سُنح لنا الاطلاع على بعض الصحف العالمية الكبري مثل: نيويورك تايمز، والاوبسرفر، والواشنطن بوست وغيرها، وأجمعت هذه الصحف بتقارير مراسليها، وكتابات محللّيها؛ على أن المقاومة العراقية بدت منظمة منذ أيامها الأولى، ونشر أكثر من تقرير أمريكي رسمي عن تنظيم المقاومة قبل وصول قوات الغزو الأمريكي إلى العاصمة العراقية.

وقد جاءت اعترافات وزير خارجية بوش كولن باول ووزير دفاعه رمسفيلد والجنرال أبو زيد واضحة عن قوة المقاومة العراقية التي اعتبرها كل من باول ورامسفيلد مفاجأة لم تتوقعها الإدارة الأمريكية.

كانت الخطة الأمريكية تهدف إلى السيطرة على العاصمة بغداد أولًا والمدن الأخرى الرئيسية ثانيًا، وقد أقنع الذين عينتهم واشنطن حكامًا القيادة الأمريكية بأن بغداد ستكون آمنة لأن أكثر من نصف سكانها من الشيعة، وسيتمكنون بمساعدة الأكراد وسائر الوافدين مع قوات الغزو من السيطرة بسهولة على العاصمة التي ستكون آمنة وهادئة بعد أيام قليلة من اكتمال الغزو.

وقد كان الجنرال أبو زيد صريحًا عندما طالب بالمزيد من القوات الأمريكية البالغ عددها حاليًا حوالي 145 ألفًا، ويقول بعض المحللين: إن العدد يصل حدود 200 ألف إذا تم احتساب المرتزقة من الذين لا يحملون جنسية أمريكية، إضافة إلى 60 ألفًا من الجنود البريطانيين، والذين ينتمون إلى المجموعة الاشتراكية السابقة دون أن ننسى إيطاليا.

وعندما نعلم أن الولايات المتحدة حاربت في فيتنام بأكثر من 600 ألف جندي في الستينات والسبعينات من القرن الماضي؛ ندرك أن طلب الجنرال أبو زيد كان مثيرًا للاهتمام، كما أن قول كولن باول مؤخرًا كان الأكثر دراماتيكية حيث اعترف بأن الولايات المتحدة تتوقع أيامًا سوداء في العراق.

وقد ركزت الولايات المتحدة منذ حربها الأولى ضد العراق عام 1991 على الورقة الشيعية في العراق، واعتبرت جميع الدراسات والتقارير الأمريكية الصادرة عن معاهد متخّصصة أن الشيعة العراقيين هم الحلفاء الأكثر ميلًا نحو الأمريكيين بعد الأكراد الذين تعتبرهم الإدارة الأمريكية جزءًا مكملًا لاستراتيجيتها الهادفة إلى تدجين المنطقة؛ وتغييرها، وإقامة إسرائيل ثانية وثالثة على أراضيها.

وقد رعت واشنطن المنشقين الشيعة، وأغدقت عليهم الأموال لمعارضة الحكم السابق، ودربت المخابرات المركزية المئات منهم وربما الألوف ليشكلوا نواة حرب عصابات تنطلق من الجنوب وتتسلل نحو بغداد، وقد فشلت هذه المحاولات، كما فشلت مراكز التجسس التي أنشئت قرب اربيل والسليمانية وتجاوزت كلفتها الخمسة مليارات دولار، واستولى عليها الجيش العراقي في آب 1996.

أعطت المراجع الأمريكية ثقتها لمجموعة قدمت لها المعلومات والنصائح كان على رأسها الدكتور فؤاد عجمي والدكتور كنعان مكيه، الأول من أصل لبناني والثاني من أصل عراقيـ وقد أغرق الاثنان الدوائر الأمريكية بتقارير مفادها أن العراق منطقة سهلة المنال، وشعبها غير مؤهل للمقاومة المسلحة، والقوى الحقيقية الضاربة فيه تتكون بأكثرية 80 بالمئة من الشيعة والأكراد، وقد أيد حلفاء واشنطن من أمثال الجلبي وعلاوي والربيعي هذه التقارير.

واقترحت التقارير ذاتها على الإدارة الأمريكية أن تتقرّب من إيران، وتفتح معها قنوات حوار وتفاهم لأن طهران ستكون المحرك الأول لشيعة العراق كما اعتقد معدّو التقارير.

وقد استجابت الدوائر الأمريكية لرغبات حلفائها العراقيين، ومرت العلاقات الأمريكية - الإيرانية في مرحلة هدوء شهدت اتصالات جانبيّة مشجعة.

وقد سادت العراق والعالم العربي موجة من التساؤلات حول موقف آية الله على السيستاني الذي أفتى أحد مساعديه الرئيسيين بضرورة المشاركة بالانتخابات القادمة، وتوعد عدم المشاركين بنار جهنم، لم يوضح السيستاني موقفه مما يفيد أنه يؤيد أجراء انتخابات في ظل حراب المحتلين، وكان دعا إلى ذلك بعد الاحتلال بأسابيع، كما أنه تغيب عن النجف بحجة الاستشفاء في لندن عندما قامت قوات الاحتلال بتدمير أكثر من 20 بالمئة من مدينة النجف، وأوقعت مئات القتلى من المدنيين في مجابهات مع أنصار مقتدي الصدر.

هل تصمد المقاومة أمام أضخم قوة في التاريخ؟

إن اعتراف أمريكا وحلفائها بوقوع حوالي 100 ألف قتيل في العراق بعد أن كانت قيادة قوات الاحتلال تتحدث عن 5 ـ 6 آلاف قتيل عراقي، وكان المحللون والكتاب العرب يعتبرون أنفسهم مبالغين عندما تحدثوا عن 20 ألف ضحية، وقد قدرت عدد الضحايا العراقيين في مقال سابق بأربعين ألفًا، وتلقيت بعده عددًا من اتصالات الناقدين لمبالغتي برفع عدد الضحايا.

إني ما زلت أعتقد أن عدد الضحايا يفوق المئة ألف في مدينة يقطنها خمسة ملايين نسمة، وعاشت 21 يومًا تحت وابل الصواريخ، وقنابل الألف كيلو ليلًا ونهارًا، وقدر عدد أطنان المتفجرات التي نزلت على بغداد بأكثر من مليون طن، ونذكر هنا أن برلين دمرت بأكملها بنصف هذه الكمية.

وقد أشار الصحافي المصري مصطفي بكري إلى هذه المسألة، وقال إن ما اكتشفته قوات الاحتلال من مقابر جماعية لم يكن سوي مقابر ألوف الضحايا الذين كانوا يسقطون يوميًا في غارات الإبادة الشاملة، والتي ما زالت مستمرة حاليًا في الفلوجة وفي سامراء وتلعفر منذ أسابيع.

إن الإدارة الأمريكية تعتبر المقاومة في العراق تمثل أكبر خطر يواجهها منذ حرب فيتنام، وستعمل كل ما بوسعها للقضاء عليها، أو لإطفاء جبروتها بعد أن حققت هذه المقاومة إنجازات هامة، وحصلت على تأييد جماهيري شديد في العالم العربي.

لذلك من المتوقع أن تقدم إدارة بوش بعد إعادة انتخابها لمدة أربع سنوات جديدة على ضرب المقاومة بوحشية بدأت معالمها في غارات تدمير مئات المنازل على رؤوس سكانها، ويشارك ضباط إسرائيليون بعمليات القمع والإبادة لأن الولايات المتحدة تعتبر الجيش الإسرائيلي صاحب خبرة طويلة في ضرب المقاومة المسلحة وطرق قمعها.

إن قوة التدمير وآلة الابادة التي تمتلكها أمريكا حاليًا هي أقوى مما كانت تملكه خلال حرب فيتنام، إلى جانب ذلك تعمل قوى الاحتلال على فرض حصار معيشي وتمويني على المناطق التي تعتبرها موئلًا للمقاومين، والفلوجة محرومة من الغذاء والدواء منذ حوالي ستة أشهر، وتتسرب إليها مواد تموينية يهربها السكان سيرًا على الأقدام بإشراف لجان خاصة شكلت في بغداد وسائر المدن لدعم مقاومي الفلوجة.

والمشكلة الأخرى التي تواجه المقاومة العراقية هي تأمين استمرارية السلاح والذخائر لفترة سنوات عدة، وهذه معضلة من الصعب معرفة حلولها، ويبدو أن المقاومة تمتلك كمًّا لا بأس به من المواد التكنولوجية المتطورة مثل: أجهزة التحكم لتفخيخ المتفجّرات في السيارات، أو على جوانب الطرقات، وامتلاك مدافع أوتوماتيكية فعالة خفيفة.

وتراهن الولايات المتحدة بمؤازرة شريحة عراقية على إثارة النعرات السنية - الشيعية بالحديث عن مثلّث سني مقاوم لإلغاء صفة المقاومة الوطنية عن الانتفاضة ضد الاحتلال.

ويذكر الدعم الأمريكي الحالي للذين عينتهم رؤساء ووزراء على العراق بالدعم الأمريكي المطلق لعائلة ديام خلال حرب فيتنام، والقول بأن واشنطن تدخلت في فيتنام استجابة لطلب الرئيس ديام المنتخب ديموقراطيًا، ولكنها تخلّت عنه وعينت مكانه عدة رؤساء لم يكونوا أكثر من دمى أمريكية هزيلة هربوا مع القوات الأمريكية عند انسحابها عام 1975م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت