فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 719

إن تأمين لقمة العيش أمر ضروري جدًا الاستمرار المقاومة في زمن يعاني فيه العراق من نقص حاد في المواد الغذائية والاستشفائية وسائر السلع الضرورية للحياة الكريمة، فقد تمكن ثوار فيتنام من تجاوز هذه المعضلة بالاتكال على زراعة الأرز وغيره من زراعات غذائية مكنت تلك الثورة من دحر الاحتلال، أما المجتمع العراقي الذي كان حتّى بدء الحصار عام 1990 مجتمعًا مكتفيًا إلى حدود الترف؛ فمن الصعب التكهّن بما ستكون عليه حالة المقاومة بعد أعوام مثلًا، ويؤشر استمرار تصاعد العمليات ضدّ الاحتلال خلال عام ونصف إلى احتمال وجود احتياطي تمويني وربما مالي لدى المقاومين الذين يعملون في جوّ شديد الغموض؛ إلى حد أنهم يحاولون تضليل المراقبين أحيانًا، وهذا يعني الجديّة من أجل تحرير وطنهم لأن كثرة البيانات وتبني العمليات مسألة غير مجدية في ظروف مواجهة أعتي آلة دمار حربية عرفها التاريخ.

إن الأشهر الستة القادمة هي حاسمة بالنسبة للمقاومة العراقية؛ لأن إدارة الرئيس بوش ستضرب بضراوة ووحشيّة لإضعاف المقاومة التي تطلق عليها تسمية الإرهاب، وتسمّي المقاومين متمردين وخارجين على القانون.

لقد أدى اقتحام مدينة سامراء وتدمير معظم أحيائها إلى اشتداد وازدياد عمليات المقاومة، وتشهد الفلوجة مجزرة تاريخية تبقي رمزًا للأجيال القادمة، وستفوق على مجزرة دير ياسين بعشرات الأضعاف وحشيّة وضراوة وعدد ضحايا.

أما عملية الانتخابات التي يراهن عليها المحتلون وأعوانهم فلن تؤدي إلى أكثر من قيام برلمان يشبه مجلس عائلة ديام في سايغون، ولن ينظر أي عاقل بجديّة إلى أي انتخابات تجري تحت حراب الاحتلال، ومن المعيب أن تتستر بعض القيادات الدينية بتمثيلية الانتخابات لتغطي مذلة التواطؤ مع المحتلّ، وظاهرة التواطؤ هذه تشمل معظم القيادات العربية إن لم نقل جميعها.

إذا تمكنت المقاومة العراقية من الصمود طوال الأشهر الستة القادمة - وهذا شبه مؤكد - فسوف تثبت وجودها كقوة تحرير رئيسيّة، وستجذب إلى صفوفها مستقبلًا المزيد من الكوادر والعناصر الرافضة للاحتلال ولرموزه.

الحرب الخفيّة المريرة:

تدور تساؤلات كثيرة حول العمليات التي تستهدف المجندين العراقيين الجدد من شرطة وحرس وطني وغيره، حيث سقط المئات من هؤلاء بتفجيرات نفذها مجهولون يرجح أن للمقاومة دور في تنفيذها.

يقول إعلامي عربي من متابعي حركة المقاومة ومن الخبراء بالشأن العراقي الداخلي: إن قيادة الاحتلال تحاول بناء قوة عراقية رديفة لقواتها لتساعدها على مطاردة المقاومين وتصفيتهم.

وقد شكل المحتلون لجنة خاصة موسعة لاختيار المجندين من طوائف وإثنيات معينة، ومن أصحاب السوابق الذين يضمرون الحقد على كل ما هو عراقي، ويرتهنون بإدارة الاحتلال، كما انتسب إلى هذه القوات بعض الذين يبحثون عن وظائف لكسب لقمة العيش، وبعض هؤلاء يذهب ضحية الآخرين.

وقد تم تشكيل هذه اللجنة بعد حادثة مثيرة هزت قيادة الاحتلال عندما أرسلوا إلى الفلوجة في شهر نيسان 2004 كتيبة من الجيش العراقي الجديد تابعة للفرقة 36 لتسيطر على الوضع الأمني في الفلوجة بدعم أمريكي، وقد دخلت الفرقة واختفت خلال 24 ساعة حيث علم فيما بعد أن أكثرية أفرادها انضموا للمقاومة، وبعضهم ترك الجندية.

ويري الإعلامي في هذه الحالة حربًا خفيّة مريرة لأن بعض قادة المقاومة يعتبرون كل متعاون مع الاحتلال يستحق معاملة المحتل وجنوده، وهذه نقطة خلافية لأن البعض الآخر يرى أن ضرورة العيش تفرض على الكثيرين التعايش مع الاحتلال لإنقاذ حياة العائلات والأطفال، وهذه الحالة عاشتها جميع الدول التي واجهت احتلال الجيوش الغريبة.

إضافة إلى مشكلة استهداف المجندين؛ تقوم عصابات ابتزازية عديدة بخطف مواطنين عراقيين وعرب وأجانب وفرض خوّات مقابل الإفراج عنهم، وتحاول قيادة الاحتلال الأمريكي وأعوانها الاستفادة إعلاميًا من أعمال العصابات المذكورة، واتهام المقاومة الوطنية بها، وتتجاوب مع حملة المحتلين هذه جهات عربية بارزة.

الخلاصة: أن المقاومة العراقية تعي ما تقوم به من مهام تاريخيّة، وتعي أن مسؤوليتها هي تحرير الوطن من الاحتلال وليس الدفاع عن رموز الحكام والعشائر، وقد تكون مهمتها هي الأصعب والأكثر ألمًا وتضحية في عصرنا وربما لمئات السنوات القادمة.

بتصرف من: http://www.alshaab.com/2004/26-11-2004/3.htm

هويتنا أو الهاوية

الشيخ مراد القدسي

ينتمي الإنسان في أصل خلقته إلى عشيرة، وتلك العشيرة تنتمي إلى قبيلة، والقبيلة جزء لا يتجزأ من الوطن، والوطن ضمن دائرة كبيرة لمجموعة من الأوطان تشكل قومية.. هذه الانتماءات كلها لا تبدو متناقضة، بل إنها كحلق مترابطة تدخل الصغيرة منها في التي تليها، ولا يبدو لدى الكثير أنهم يعانون من انفصام وازدواجية فيما بين هذه التداخلات، والشريعة وكما جاء فيها لا تمنع الإنسان مهما كان جنسه أو لونه من الانتماء، وإنما تجعلها وسيلة للتقارب والتعارف قال تعالى:"يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا..."الآية.

فالشعور الفطري في الانتماء إلى الوطن أو اللغة أحد مراحل تكوين الهوية للإنسان، والإسلام يقر ذلك ولا ينكره.

وإنه لخليق بالإنسان المسلم ألا يقف عند هذه الهوية أو تلك، ولا يجعلها غاية وهدفًا عليها يعادي، ومن أجلها يوالي كلا فالناس من حوله ينتمون إلى هوية متماثلة، وهنا سيبدو المسلم وكأنه يعيش بلا شخصية مستقلة تميزه إذا توقف في مكان توقف عنده الآخرون، فعليه إذن أن يتجاوز تلك الهويات الطبيعية بحكم الخلقة والنشأة إلى هوية اختيارية تجلب له السعادة في الدارين، وتميزه عن غيره، وترقيه في سلم الكمالات، لنرجع إلى الآية السابقة لتخبرنا عنها تمامًا، وكما التزمنا بمعنى أول الآية فعلينا أن نلتزم بالمعنى في آخرها قال تعالى:"... إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير".

فيخطئ البعض عندما يعارض هذه الهوية ذات الطابع المتميز، والتي تشمل تحتها كل بني الإنسان، والتي تصلح البشرية وتوصلها إلى بر الأمان؛ أقول يخطئون عندما يعارضونها، ويقفون في منتصف الطريق عند هوياتهم التي لا سبيل لهم في اختيارها.

ويخطئون من جانب آخر في أن الناس سينتقلون عنها إلى هويتهم الدينية التي يختارونها، فلماذا لا أجعل وطني هو وطن الإسلام بأي لغة ينطق أهله:

ولست أرى سوى الإسلام لي وطنًا الشام فيه ووادي النيل سيان

وحيثما ذكر اسم الله في بلد عددت أرجاءه من لب أوطاني

فلنرقَ بأنفسنا، ولنرجع إلى نصوص شريعتنا والتي تختار لنا مكانًا أرحب من هذا المكان الضيق والمليء بالمنغصات، والنعم فيه زائلة، والكد فيه لا ينتهي، ذلك المكان الرحب في جنات عدن، وطن الصالحين، وهو موطننا الأصلي إذا كان الإنسان ولا بد أن يفخر بوطن:

فحي على جنات عدن فإنها منازلنا الأولى وفيها المخيم

ولكننا سبي العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونسلم

وإني أوجه نداء المشفق لكل سامعـ ولكل من افتخر يومًا بوطنه، أو ظن أن قوميته مهما كانت أصالتها لها شأن وهي بعيدة عن الإسلام؛ أوجه النداء بالتوقف عند قوله تعالى:"قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحبَّ إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت