لا يختلف الأمر بالنسبة للنفط والغاز؛ إذ تلعب هذه الدولة العضو في منظمة المؤتمر الإسلامى دورًا هامًا في سوق النفط الدولية، فضلًا عن امتلاكها لأنواع كثيرة من المعادن، كالرصاص والزنك، وهو ما أعطى دفعة كبيرة لوجود قاعدة صناعية متميزة في البلاد.
وبقدر ما كانت هذه الثروات مصدر نعمة لهذا الشعب، بقدر ما تحوّلت إلى نقمة؛ فقد أسالت هذه الثروة لعاب الشيوعية الحمراء وقادتها في موسكو، وقاموا بأكبر عملية تهجير للأغلبية المسلمة من أراضيهم، بحجة أن تعميرها جزء من السياسة السوفيتية، وأحلّت بدلًا منهم أعدادًا كبيرة من الروس والأوكرانيين.
ولم تكتفِ الشيوعية بذلك، بل إنها حوّلت كازاخستان إلى محطة وميدان للتجارب النووية التي كانت تقوم بها الدولة السوفيتية، وكان لهذه التجارب أثر سيئ على هذا الشعب المسلم، لدرجة أن إحصاءات الأمم المتحدة ذكرت أن (100) ألف كازاخي قد لقوا مصرعهم من جرّاء هذه التجارب، بالإضافة إلى وفاة أكثر من (29) ألفًا من أطفال كازاخستان قبل أن يُولدوا، وارتفاع نسبة الأمراض النفسية، وانتشار أمراض السرطان بمختلف أنواعها بين أبناء هذا الشعب المسلم بسبب الإشعاعات الناتجة عن التجارب النووية في عهد الاتحاد السوفيتي السابق.
وتزداد مأساة هذا الشعب عندما نعلم أن هذه الأوضاع لم تتغير كثيرًا بعد تفكّك الاتحاد السوفيتي عام 1991، خصوصًا إذا علمنا أن الشيوعيين السابقين استمروا في السيطرة على السلطة بزعامة نور سلطان نزار باييف رئيس البلاد الحالي، صحيح أن رؤوس علماء المسلمين لم تُقطع كما كان يحدث أيام الشيوعية، ولم تعد المساجد تُغلق وتُحاصر، لكن التضييق على الأنشطة الإسلامية استمر، وإن كان بشكل غير سافر.
الحنين إلى الإسلام
ولكي تواجه الدولة حالة الحنين إلى الجذور الإسلامية لدى غالبية الشعب لجأت إلى عدة خطوات رمزية، مثل: إعادة فتح المساجد، وترمميها، ودعم رغبة آلاف الكازاخيين لحج بيت الله الحرام، وإرسال مئات من الطلاب للدراسة في الجامعات الإسلامية في مصر والسعودية وتركيا لإعداد الدعاة إلى الإسلام.
بالإضافة إلى إحياء الشعائر الإسلامية، وإعادة الاعتبار لبعض علماء المسلمين الذين اضطهدتم الشيوعية الحمراء، وهي كلها خطوات أرادت بها السلطات الشيوعية تخفيف حالة الاحتقان والسخط بين المسلمين.
غير أن هذا الوهم لم يستمر كثيرًا؛ إذ رفض نزار باييف الاعتراف بوجود دور للإسلام في إدارة الدولة، بل وصرح كثيرًا أن العلمانية التركية هي أفضل الخيارات أمام الشعب الكازاخي، وأصبح يعزف على وتر خوف الكازاخيين من الإسلام الأصولي القادم من أفغانستان وطاجيكستان وأوزبكستان؛ لتسويغ خطواته، والتي بدأها برفض إنشاء أي أحزاب إسلامية، حتى ولو كانت معتدلة ترفض اللجوء إلى السلاح لتغير أنظمة الحكم في دولتها، وعلى رأس هذه الأحزاب حزب (ألاشى) الذي رفضت السلطات الاعتراف به كونه حزبًا إسلاميًا.
وبعد رفض هذا الحزب اتخذ نزار باييف عدة قرارات تعكس رغبته في إخضاع مراكز التدين في كازاخستان جاء في مقدمتها انفصال البلاد عن الإدارة الدينية لمسلمي آسيا الوسطي ومقرها طشقند في أوزبكستان، وتأسيس دار إفتاء جديدة تحت راية مفتي جديد، منهيًا بذلك السيطرة الأوزبكية التاريخية على شؤون مسلمي كازاخستان من عام 1942، فضلًا عن قراره بإنشاء المعهد العالي الاسلامي لتدريب وإعداد الدعاة الكازاخيين.
حملات اعتقال
ولم يكتفِ نزار باييف بذلك، بل شن حملات اعتقالات شديدة على الإسلاميين البارزين، وأمعن نظام نزار باييف في طمس الهوية الإسلامية للشعب، فتم فرْض حظرٍ تامٍ على ارتداء الحجاب، وقامت قوات الشرطة بالقبض على العديد من المحجبات وإجبارهن على خلع الحجاب، وتم إغلاق العديد من مراكز تحفيظ القرآن ودار العلوم الشرعية، مستغلة الحرب الأمريكية على الإرهاب في تشديد الحصار على الإسلاميين وأنشطتهم، لدرجة أن كازاخستان استطاعت القضاء -بشكل يقترب من النهائي- على أنشطة الإسلاميين، ولم يكتفِ نظام نزار باييف بذلك، بل فرض قيودًا شديدة على أنشطة بعض جماعات الإغاثة الإسلامية، والتي كانت تعمل لمواجهة الأنشطة التنصيرية الشديدة التي تمارسها إرساليات التنصير الكاثوليكية الغربية، بهدف انتزاع تأييد الدول الأوربية و الغربية لنظام نزار باييف الشمولي، وغض الطرف عن سيطرته على السلطة وإخضاعه لأحزاب المعارضة، فضلًا عن تزويره للانتخابات، وتجهيز ابنه لوراثة السلطة من بعده.
دفاعًا عن الرسول
على الرغم من كل القيود التي فرضها نظام الرئيس سلطان نزار باييف على الإسلاميين، إلا أن الشعب الكازاخي لم يتعاطَ بإيجابية مع رغبات النظام الحاكم هناك، واستمر إقبال المسلمين هناك على عمارة المساجد، وتحفيظ أبنائهم القرآن الكريم، وإرسال العديد منهم للدراسة في جامعات إسلامية للعودة إلى البلاد، ورفع وعي الشعب الكازاخي بأصول دينه الحنيف، خصوصًا يوم الجمعة، وفي شهر رمضان، فضلًا عن ارتفاع مستوى الوعي بالإسلام، والذي ظهر خلال المظاهرات التي نظّمها الآلاف في شوارع العاصمة تعبيرًا عن رفضهم للرسوم المسيئة للرسول - صلى الله عليه وسلم - والتي تورّطت فيها صحف دنماركية ونرويجية، وكذلك اشتراك الآلاف أيضًا في مظاهرة تطالب بحظر توزيع وبيع الخمور في المحلات العامة، خصوصًا في شهر رمضان.
أكدت هذه التظاهرات مدى الحنين الذي يحكم علاقة هذا الشعب بالإسلام، والسعي للعودة لجذوره الإسلامية مهما حاولت السلطات الشيوعية إبعاده عنها، والترويج للعلمانية البغيضة التي لا هدف لها إلاّ مسح هوية هذا الشعب.
قد يتساءل بعض الناس: لماذا لم يحدث اضطراب في كازاخستان من الإسلاميين المعارضين على غرار ما حدث في أوزبكستان المجاورة؟ والإجابة تعود ببساطة إلى الأوضاع الاقتصادية المستقرة في البلاد التي تُعدّ من كبار منتجي النفط والغاز في آسيا الوسطى، وكذلك المعادن والقمح، وعدم وجود احتقان اجتماعي بالدرجة الموجودة في أوزبكستان، وقيام النظام بتحذير الشعب من أن وجود الإسلاميين قد يقضي على هذا الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي وتكرار تجربة نظام طالبان في البلاد، وهو ما أوجد حالة خوف نسبي بين الشعب وبين الحركات الإسلامية التي لا يتسم نشاطها بالشرعية، ولا بالقوة على إجبار النظام على تخفيف قبضته و رفع القيود عن الأنشطة الإسلامية.
صحوة إسلامية رائعة
ويعلق الشيخ عبد الستار دربالة المفتي العام لمسلمي كازاخستان بالتأكيد على أن دولته تعيش صحوة إسلامية رائعة في هذه المرحلة، للتخلص من آثار الشيوعية التي سادت البلاد طوال الحكم السوفيتي الذي كان في حالة عداء مستمر مع الإسلام، وطمس الهوية الإسلامية؛ إذ تشهد البلاد الآن انتشارًا واسعًا للمساجد في جميع المدن، والتي بلغ عددها أكثر من ألفي مسجد تمثل منارات إشعاع ديني لتعريف المسلمين بأمور الإسلام الصحيح خصوصًا أنهم متعطشون للتعرّف على الإسلام.
ونفى"دربالة"وجود أي ضغوط على الإسلاميين أو فرض قيود على الحجاب، أو أداء الشعائر، مشيرًا إلى أن الضوابط التي وضعتها الدولة هدفها عدم استخدام المساجد لتحقيق أهداف سياسية أو استغلالها لتكوين جماعات للعنف.