قبل عشرين عامًا لم يكن من السهل الحديث عن التعدديات العرقية في منطقة الشمال الإفريقي - وفي المغرب العربي بالخصوص - ليس لأنها كانت مقموعة كما يدعي البعض، بل لأنها هي نفسها لم تكن تتجذر في الحقيقة خارج انتماءاتها القومية، بحيث لم يكن أحد يتحسس واقعه خارج الواقع الكبير الذي في النهاية شمل الجميع في نطاق سياسي خانق لم تكن فيها الأنظمة تسمح بالتحرر من كذبة"الوطن الكبير"خارج ذلك التشدد العسكري والبوليسي الذي كسر ظهور العباد، لكن في ظروف متشابهة إلى حد كبير انفجر ما يعرف ضمنيًا بقضية الأمازيغ، وتحولت القضية إلى مطلب سياسي سرعان ما صار خطرًا من مخاطر الانشقاق حين تحول المطلب العادي إلى مطلب"أيديولوجي"بالنسبة لتشكيلات سياسية تأسست في ظروف مريبة، وتحولت إلى بوق يردد العبارات نفسها التي رددتها الكلونيالية قبل أربعين سنة خلت، إلى أن صار المشهد قريبًا إلى المشهد الكردي الذي تفجر في العراق وسورية، وإن كان الفرق الوحيد في نوعية الثقافة التي ارتبطت لدى الأمازيغ بمثولوجية الأرض أي بأنهم أصحاب الأرض، وأن"العرب والمسلمين"محتلين لتلك الأرض!!
من هم الأمازيغ؟
بقى السؤال محل العديد من القراءات التاريخية، ولعل أهم تلك القراءات أن الأمازيغ هم"البربر"وفق المصطلح الذي أطلقه العرب عليهم إبان القرن الرابع عشر نسبة إلى خاصية التشدد والعنف التي كانت مرتبطة بشخصيتهم، لكنهم رأوا أن عبارة"بربر"تناقض مطالبهم، بحيث إن البربر تعني آليًا الهمج، ولهذا تم تأسيس مصطلح"الأمازيغ"الذي ما زالت تثير إلى اليوم حفيظة الأمازيغيين أنفسهم باعتبار أن عبارة"أمازيغ"تعني"المشتتون"لدى البعض، وتعني"الأحرار"لدى البعض الآخر، بيد أن الأمازيغ اعتمدوا دومًا على الهوية الشفهية، أي أن تاريخهم الخاص بقي شفهيًا، تتداوله الحكايات الشفهية وليس ثمة تدوين ولا تأريخ حقيقي لهم، ولا حتى لغة يمكن وصفها باللغة الكاملة سوى في لهجات شفهية تدخل في سياق التعبير ليس إلا، ومع ذلك كانت من أهم مطالب الأمازيغيين أن تعترف السلطة بهويتهم وبلغتهم، وجعلها لغة رسمية، وهو ما لا يمكن اعتباره استحقاقًا باعتبار أن إشكالية اللغة ظلت التحدي الذي على أساسه كانت اللعبة الأمازيغية تلعب بأشكال متفاوتة من منطقة إلى أخرى، فأمازيغ المغرب (يمثلون نحو 48% من سكان المغرب البالغ عددهم 35 مليون نسمة) ، والذين يتموقعون في منطقة"الريف"المغربي بالشمال، وفي منطقة"جبال أطلس"وسط البلاد، وفي منطقة"سوس"بالجنوب، يعتبرون أن التعاطي مع الأمازيغية لا يخلو من تعاطي ثقافي عمومًا، بدليل أنه لم تتشكل أحزاب أو تيارات أمازيغية بالمعنى الحقيقي، بينما في موريتانيا فإن اللغة كانت وجهة لإحقاق ما يسمى بالاختلاف العرقي الذي تجذر إلى نزاعات كثيرة كشفت أن الهوية تعني أيضًا الجهة (الخارجية) التي يمكنها استقطاب المطالب أكثر من غيرها، بينما في الجزائر فإن الأمازيغ (30% من مجمل سكان الجزائر) يعتبرون أنهم أصحاب الأرض، والأحق من غيرهم بها، ولا يمكن على ذلك الأساس أن يكونوا تحت سيطرة"العرب المسلمين"، وبالتالي لا يمكن أن يجبرهم أحد على أن تكون لغتهم مشابهة للغة ولعقيدة العرب، وهو ما عكس الرفض المطلق لأن يكونوا جزءًا من المجتمع الجزائري من حيث العقيدة واللغة، بالخصوص وأن العديد من الشخصيات المتشددة فيما يسمى بحركات العروش طالبت بشكل علني بالحق في تقرير المصير، أي الحق في الاستقلال عن الجزائر، معتبرة أن"الإسلام"دين أصولي متجذر من العنف والتطرف، وأنهم لن يكونوا مجبرين على الانتماء إليه!
تراكمات الثقافة العرقية!:
الذين تناولوا الموضوع الأمازيغي في الجزائر انطلقوا بالخصوص من حوادث عام 2001 التي أججت حالة من الفوضى في منطقة القبائل الجزائرية بعد مشادات عنيفة دارت بين رجال الأمن وشباب غاضبين بعد حادثة اغتيال شاب على يد رجال الأمن، لكن الحقيقة أن التوتر القائم بين الحركات الأمازيغية بكل تياراتها وبين السلطة لم يكن وليد ذلك التاريخ، بل هو صراع قديم انطلق بعد الاستقلال الجزائري، وتفجر بشكل ملموس في السبعينيات الميلادية، حين تشكلت بوادر معارضة سياسية جديدة كانت تعتبر أن السلطة الجزائرية غير شعبية، بمعنى أنها غير معترف بها شعبيًا، وهو الشيء الذي صار فيما بعد نزاعًا على ما يمكن تسميته بالشرعية الشعبية سياسيًا التي لا يعرفها أي نظام في المغرب العربي عمومًا، بحيث أن الأنظمة الحاكمة في الدول المغاربية وشمال الإفريقية عبارة عن أيديولوجيات قائمة بقوة، ومحاطة بالفكر البوليسي القمعي، وهو ما يعكسه آليًا عدد السجناء السياسيين في كل الدول المغاربية عمومًا، لكن ما عرف مباشرة بالربيع الأمازيغي الذي كان عبارة عن انتفاضة أخرى في منقطة القبائل عام 1980 بمثابة الشعرة التي تقطعت بين السلطة وبين الحركات الأمازيغية التي كانت تستفيد آليًا من أخطاء النظام، ومن الدعم الإعلامي واللوجستيكي الغربي (الفرنسي بالخصوص) لها، والحال أن الموقف الفرنسي من الأزمة العرقية الجزائرية كان مثيرًا للعديد من الأسئلة منذ الثمانينات بالخصوص، حين أعلن الرئيس الفرنسي الأسبق"فرانسوا ميتيران"أن"الحد من الحريات الشخصية لسكان القبائل في الجزائر (المغرب العربي) يتنافى مع الثوابت الجمهورية!"ليس هذا فقط، بل وأن التحركات الفرنسية في المغرب العربي كانت محل جدال كبير في السنوات الخمسة الأخيرة، بالخصوص بعد أن تورطت فرنسا بشكل مكشوف في قضية"الأناجيل"التي حملت على متن باخرة قادمة من مدينة مرسيليا نحو الجزائر، وسربت حوالي 10 آلاف منها على مناطق كثيرة أبرزها منطقة القبائل في أكبر حملة تنصيرية ضد ثوابت المسلمين في الجزائر، صحيح أن السلطات الجزائرية لم تجد مناصًا ولا مهربًا من الكشف عن صفقة الأناجيل المهربة التي تم ضبطها، إلا أن العديد من الصحف الجزائرية أشارت بتاريخ 11 يوليو 2003 أن تداول الأناجيل صار شيئًا عاديًا في الجزائر، وأن"الانفتاح"على النصرانية لم يعد سرًا، لكن السؤال الذي ظل يطرح بحدة هو لماذا تحولت منطقة القبائل إلى معقل للتنصير في الجزائر، ولماذا تبدو قضية"التنصير"أمرًا طبيعيًا في نظر البعض، و"حرية اعتقاد"في نظر البعض الآخر، كما لو كان الارتداد عن الإسلام شيئًا عاديًا؟
ثقافة الكراهية و العبثية السياسية!