وتداخلت الأصوات التي قد تحجّم مفهوم الهوية وتعلي مفهوم المواطنة.. أو التي تنفي المواطنة عن من لا يرغب الوقوف عند سماع النشيد الوطني مثلًا!! وهذا خطأ وليس ذلك مؤشر على انسلاخ الهوية..
* فما يقوله د. جعفر الشيخ إدريس في هذا الجانب هو أن الهوية لازمة للمواطنة لأن المواطنين لا بد لهم من نظام سياسي وعلاقات اقتصادية واجتماعية وقوانين تضبط هذه العلاقات ولكن هذا إنما ينبني على معتقدات وقيم ومعايير أي على هوية معينة.
من هذا فإن الوطن الذي ينتسب إليه المواطنون ليس هو الذي يحدد هويتهم فالوطن الواحد تتعاقب عليه نظم مختلفة بل ومتناقضة فالروس كانوا مواطنين روسًا حين كانوا ينتمون إلى الاتحاد السوفياتي وحين كان نظامهم الاقتصادي اشتراكيًا وكان نظام حكمهم دكتاتوريًا وهم الآن مواطنون روس بعد تفكك الاتحاد السوفياتي وبعد حلول الرأسمالية محل الاشتراكية و الديموقراطية محل الدكتاتورية.
فالهوية هي النظارة التي يرى من خلالها المواطنون ما هو مناسب أو غير مناسب، صالح أو غير صالح لوطنهم فإذا اختلفت النظارات اختلف تقويم الناظرين إلى ما ينظرون إليه وان اتفقوا على الحقائق الحسية.. وإذا صح هذا فإن المواطنين مهما كان إخلاصهم لوطنهم وحرصهم على مصلحته لا يمكن أن ينظروا إلى تلك المصلحة باعتبارهم مواطنين فقط بل لا بد أن ينظروا إليها بحسب هوياتهم، لكن البعض يتوهم أنه بإمكان المواطنين أن يحلوا مشكلاتهم بمجرد انتمائهم الوطني فقط دون اعتبار للانتماء الديني والأيديولوجي.
ثم يوضح أن هناك مشكلات يمكن حلها باعتبارها مشكلة بشرية تهم البشر جميعًا مثل مرض (الإيدز) مثلًا.. فالجميع يعرف أنه خطر على حياتهم وحياة أولادهم.. ولكن سيختلفون في وسائل العلاج المواكبة للعلاج الطبي فالمسلمون يرفضون أي ممارسة جنسية كانت قبل الزواج والمتدينون كذلك سواء كانوا من اليهود أو النصارى ولكن غير المتدينين قد يرون في مثل هذه الاقتراحات حدًا من الحرية ويرون الاكتفاء بالعلاج الطبي لا السلوكي.
ويطرح قضية أخرى توضح الفرق بين الهوية والمواطنة.. فيقول: هناك قضية أخرى تواجه كل البشر وهي كيف تكون العلاقة الجنسية بينهم، هل تكون إباحية يقضي كل فرد منهم حاجته مع من شاء وكيف شاء؟!
هل يتزوجون؟ وهل يكون الزواج بواحدة أو أكثر؟ وهل هناك حد لهذا الأكثر؟ هذه جميعها قضايا لا يحلها الناس بمجرد انتمائهم الوطني لأنه ليس في هذا الانتماء ما يهديهم إلى خيار أو يفرضه عليهم.
وهنا لا بد للمواطنين من (هوية) ، من ثقافة تكون هي المنظار الذي ينظرون به إلى الواقع (والمعيار) الذي يقترحون به الحلول.
وفي حالة تعدد هويات المواطنين وثقافاتهم فإن أمر سيادة الثقافة أو الهوية التي ينتمي إليها الأغلبية سيكون بالطبع على حساب حريات أخرى ولكن هذه الأدلة المفروضة بالقوة قد تكون مساعدة على تطور البلاد اقتصاديًا وعلميًا وعسكريًا كما كانت في الاتحاد السوفياتي وكما هي الآن في الصين وكوريا الشمالية.
ولكن في حالة أن الهويات والثقافات المتعددة متساوية فأمام مواطنيها خيارات منها أن يحلوا نزاعهم بتقسيم وطنهم كما حدث للهند حين خرجت منها باكستان ومن ثم خرجت بنغلاديش من باكستان وكما خرجت أريتريا من اثيوبيا وكما انقسمت تشيكوسلوفاكيا..
وإما أن يبحثوا عن صيغة يتعايشون بها رغم اختلافاتهم كأن يختارون نظامًا علمانيًا محايدًا بينهم وديموقراطيًا يعطي كل واحد من هذه الهويات حق الوصول إلى السلطة إذا ما اختارته الأغلبية..
ولكن هل سينجح هذا الاختيار دائمًا؟!
ما هي هويتنا نحن المسلمين
الدكتور بشر بن فهد البشر
إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم وسار على نهجهم إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.
أمَّا بعد:
الانتماء الذي نريدُ أن نتحدث عنه هو الانتماء إلى هويةٍ واضحةٍ ثابتة، هوية مستقلة متميِّزة؛ فهو الذي يُعطي الأمم الوصف الذي تستحق به أن تكون أممًا، وهو القاعدة الأساسية لبناء الأمم، لأنَّ الهوية التي تنتمي إليها أي أمة هي تميزها عن غيرها.
فما هي هويتنا نحن المسلمون؟ ولمن يكون انتماؤنا؟ وإلى من ننتسب؟ ولأي شيءٍ نتعصب؟ وعلى أيِّ شيءٍ نوالي ونعادي؟
في العصور الأخيرة، وبالتحديد في القرن الهجري الماضي، حصل للأمة المسلمة ما يمكنُ أن نسميهِ أو نطلق عليه"بأزمة الهوية"، أزمة تحقيق الانتماء، فحصل فيها ولها من التخبط والتنقل على موائد الشرق والغرب، ما أضاع الأمة وأفقدها استقلالها وتميزها وشخصيتها، وإلى هذا اليوم لا تزال الأمةُ تعيشُ هذه الأزمة، أزمة الهوية، أزمة الانتماء، إما في ضياع الهوية ضياعًا كاملًا عند فئةٍ من المستغربين، و إمَّا بالغش والغُبارية وتكدر الرؤية، عن كثير ممن ينتسبُ لهذه الأمة، سواءً كان من عامةِ الشعوب، أو كان ممن ينتمي إلى العمل الإسلامي، أو حتى من الحكومات أو غير ذلك.
لذلك يجبُ أن نحدد هويتنا بدقة، وأن نعرفها بوضوح؛ لنعرف ما هي حقيقتنا و أهدافنا، وما هو المنهج الذي يجبُ أن نسير عليه؟
فهل هويتنا هي القومية أم الوطنية؟ أم التبعية للشرق أو الغرب أو لهيئة الأمم؟ أم هويتنا هي السير وفق النظام العالمي الجديد؟
ما هي هويتنا نحن المسلمين؟
إن َّالقومية جاءتنا عن طريق الغرب، عن طريق أوروبا، ونشرها اليهود في تركيا، فأثاروا النعرة القومية الطورانية؛ ثُمَّ أخذها النصارى المارونيون في لبنان بالتحديد ونشروا القومية العربية، ففرقت بين المسلم من أرض العرب وبين المسلم من البلدان الأخرى، فبدل أن يكون الرقم الذي معنا يتعدى الألف مليون، أصبح لا يتجاوزُ مائة وخمسون مليون.
ثم حصل التفرق والانحطاط، هذه القومية ما أخذت حتى بقيم العرب في الجاهلية، والتي عبر عنها شاعرهم بقوله:
و أغض طرفي إن بدت لي جارتي *** حتى يواري جارتي مأواها
بل أخذت التحلل والتهتك، والفجور والفساد، ونقلوهُ إلى بلاد العرب بصفةِ التقدم والرقي والحضارة.
هل هويتنا هي الوطنية؟!
إنَّ الأوطان رقعةٌ ضيقة، ما الذي يحدها؟ ما الذي يُبَيِّنُها؟ هل هي المكان الذي قضيتَ فيه حياتك؟ وما تحديد هذا الوطن الذي يجبُ أن يتعصب له الإنسان، وأن يوالي عليه وأن يعادي؟ إنَّ الوطن لا يُحد ولا يوضح، فإذا قيل مثلًا: إنَّ أهل مصر يجبُ أن يتعصبوا لمصر، فسيختلفُ أهل مصر لأي شيءٍ يتعصبون: للصعيد أم للقاهرة؟ وأهل الصعيد سيختلفون لأي شيءٍ يتعصَّبون لأسوان أو لأسيوط؟ إنَّ هذه الهوية لا تحديد لها، وإنَّها تفرقةٌ وضعفٌ وخورٌ في الأمة.
هل ننتمي لهيئةِ الأمم؟ وللشرعيةِ التي يُطنطنون بها، وهي في واقع الأمرِ جاهلية يُسيِّرها اليهود والنصارى، فنحن كما قال جرير:
ويقضى الأمر حين تغيب تيم * * * ولا يستأمرون وهم شهود
أم هل ننتمي للنظام العالمي الجديد؟ الذي نكون عجلةً من عجلاته، ولكن السائق غربي يقود الحافلة، إلى أي شيءٍ ننتمي؟ وما الذي يُميزنا عن غيرنا؟ وما الذي يحدد هوية هذه الأمة؟ ما الذي يجعلنا نجتمع على كلمة سواء؟