فهرس الكتاب

الصفحة 228 من 719

نعم بالضبط, وإذن لا أقول: إن اللغة العربية مهمة للتخاطب وفقط, فذلك أمر تشترك فيه جميع اللغات, لكن اللغة العربية شعيرة تمارس بروح الشعيرة, وتُطلب بروح الفريضة.

-وهذا ما يميزها عن بقية اللغات؟!

نعم, ولهذا نستطيع أن نقول: إن اللغة العربية باقية ما بقي هذا الدين.. باقية ما بقي رجل يقول: لا إله إلا الله.

-فكما تعهد الله سبحانه وتعالى بحفظ كتابه الكريم فقد تعهد بحفظ اللغة!!

بالضبط, لأن اللغة هي وعاء القرآن التي شملت القرآن والتي وعت أسراره وقواعده وأحكامه.

د/ أبو الفتوح حسن عقل: الحمد لله رب العالمين, وصلاة وسلامًا على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن والاه.. فتح الله على الشيخ الجليل, ولكننا نريد أن نضيف على ما تفضل به, فإنه وكما تفضل سيادته يكفي أن الله عز وجل قد اختارها وعاءً للقرآن, للتعبير عن أدق معاني الذكر الحكيم, وحينما نزل القرآن بلغة العرب كانت اللغة العربية في قريش قد وصلت إلى درجة النضج والاكتمال, وكانت في ذلك الوقت في أبهى أثوابها, نظرًا لأن لهجة قريش هي اختيار موفق من لهجات ومفردات وأساليب العرب الذين كانوا يفدون إلى مكة في كل عام للحج وحضور أسواقها, كانت قريش تنتقي من هذه اللهجات معجمها اللغوي, وفي الوقت الذي نزل فيه القرآن الكريم كانت لهجة قريش وكانت اللغة العربية في قريش قد وصلت إلى أبهى درجات الاكتمال.

-كما أن القرآن هو أعظم الكتب فقد اختار الله عز وجل له أعظم وعاء, وهي اللغة العربية بأفصح لهجاتها.

نعم بالتأكيد, ولذلك ليس بعجيب أن يثني رب العزة عز وجل على القرآن الكريم لكونه عربيًا في أكثر من موضع, حيث يقول مثلًا في سورة يوسف: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف:2] , وكأن يقول في سورة فصلت أيضًا: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [فصلت:3] , وكأن يقول في سورة الكهف: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا} [الكهف:1] , أساليبه ولغته لا اعوجاج فيها, بل تمثل قمة الاستقامة وقمة الفصاحة والبلاغة والبيان, وقوله تعالى: {قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} [الزمر:28] أي لا اعوجاج فيه. والنبي صلى الله عليه وسلم يمثل أيضًا بالنسبة للغة العربية قمة القمم في الأدب بوجه عام وفي البيان والفصاحة بوجه خاص, وكان عليه الصلاة والسلام الذوّاقة الأول للغة العرب حينما يقول:"إن من البيان لسحرًا وإن من الشعر لحكمة"فلا يقول ذلك إلا الذي يستعذب ويستمتع باللغة ويحسن رؤيتها, بل ويتمتع بها كذلك, ولعلكم تذكرون يوم أن دخل عليه كعب بن زهير وهو يريد أن يعلن إسلامه في المسجد النبوي المبارك, وقد أعد للحصول على العفو قصيدة, فإعداده لهذه القصيدة - وإن كانت مؤسسة على مدح الرسول عليه الصلاة والسلام - يدل دلالة قطعية على أنه يريد أن يقدم للنبي صلى الله عليه وسلم أحسن ما يريد الاستماع إليه, وبالفعل حصل على العفو الذي كان يريد, بعد أن قدم قصيدته في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم وفي مدح الإسلام وبيان عظمته ومنزلته, وفي النهاية لم يجد الرسول صلى الله عليه وسلم أحسن مكافأة إلا أن يخلع عليه بردته الشريفة صلى الله عليه وسلم, وصارت بعد ذلك شرفًا عظيمًا لكعب بن زهير, ونالت قصيدته أعلى منزلة في الشعر العربي, كل هذا يؤكد عظمة هذه اللغة واهتمام الإسلام بها والثناء عليها.

وإن اللغة العربية لغة أهل الجنة.. اللغة العربية لغة الدعوة, وأريد أن أؤكد هذا المعنى, لا يوفق في الدعوة إلى الله من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها إلا الذين تمكنوا منها وملكوا ناصيتها وأحسنوا التخاطب بها, وسيدنا موسى عليه السلام حينما أُمر من قبل رب العزة عز وجل أن يتوجه إلى فرعون وملئه طلب منه أن يزوده بهارون؛ لأنه كان أفصح منه لسانًا: {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ} [القصص:34] .

اللغة العربية كما أشار الأستاذ لغة عبادة, وكل من يبذل فيها جهدًا ويقبل عليها ويعلمها للناس يبذل جهدًا في العبادة, يقرب الناس من ربهم, كلما ازداد الإنسان قربًا من اللغة وفهمًا لها وأساليبها وأحكامها ازداد قربًا في ذات الوقت من كتاب رب العالمين وازداد فهمًا للقرآن الكريم وازداد فهمًا للسنة المباركة, وإلى جوار ذلك فإنها وسيلته للوصول إلى تراث الأمة الخالد العظيم الممثل فيما خلفته الأمة من صنوف العلم والمعرفة.

-اللغة العربية من أهم أدوات التواصل الفكري والثقافي بين عناصر المجتمع المختلفة, كما أنها إحدى أهم وسائل الأمن القومي. كيف تلعب اللغة العربية دورًا في توحيد الأمة؟! خاصة في خضم الأخطار التي تتهددها وتنصب عليها من كل جانب.

د/ حمدي والي: في الحقيقة لا أجد أجمع ولا أجمل مع الإفادة والدقة من تعبير الأستاذ العقاد عليه رحمة الله عندما وصف اللغة العربية بأنها"اللغة الشاعرة", وزاد فوصفها أيضًا فقال: اللغة العربية هي"الهوية الواقية", فالأصل في الناس أنهم يجتهدون ليقوا هويتهم حتى لا تضيع, لكن الأمر مع اللغة العربية يختلف, فاللغة العربية في هذا المقام هي التي تحمي أصحابها, هي الدرع والحصن الذي يذود عن هذه الأمة ويضمن كمالها ودوامها وثباتها واستقرارها.

توحيد لسان التخاطب بين أبناء الأمة يفتح مجالًا واسعًا لتوحيد المساحة الذهنية وتوحيد الفكر والقدرة على استنباط ما لدى الآخر, فالجميع يعيشون في كيان واحد, ويتعاملون بلغة واحدة, ويستشعرون جماليات واحدة, وينفعلون تذوقًا وجمالًا لما يسمعون, واللغة قادرة على أن ترفع أذواق الأمة جميعًا, وقادرة على أن تحمي أذواقنا وأسماعنا من أن نسمع ما يخدش الحياء, فلا تجد لغة عُنيت بالبعد الإنساني والبعد الذوقي كما تجد اللغة العربية, هناك أشياء لا يستطيع الإنسان أن يتخاطب بها رغم ضروريتا في حياته, فما يقع مثلًا للإنسان من الأمور الزوجية, والعلاقات الشخصية, وما يفعله الإنسان أحيانًا من أموره الضرورية فيريد أن يعبر عنها, فتأتي اللغة العربية لتقدم له ألفاظًا وبدائل تؤدي المطلوب وتحفظ الذوق وتمتع وتتكلم في أحرج المواقف وأدقها, فهي قادرة على أن ترفع الحس والذوق ليحتفظ الجميع بالذوقيات والأدبيات والمعاني بطريقة نظيفة.

ففي سورة يوسف, والموقف الدال على أعلى ما يمكن أن يصل إليه الحس البشري من أمور فطرية, يعبر عنه القرآن دون أن تستشعر في لحظة واحدة منذ بدأت القصة إلى أن أنهاها - وهي تبلغ الذروة في التعبير عما يطلب فطريًا بين الرجل والمرأة - لا تجد أبدًا أن هناك كلمة جرحت الذوق أو أسفّت أو أشعرت الإنسان بالحرج عن أن يتردد أن يقولها, ولكن الآيات تردد ونشعر عند سماعها بالمتعة والجمال.

فضلًا عن ذلك فإن اللغة العربية تشعر المتلقي دائمًا بأهميته, فعندما أحدّث المتلقّي باللغة العربية فأنا أرفع مقامه وأعليه, لأن اللغة العربية في تاريخها كله لغة رفعة.

-وعلى الرغم من ذلك فإن كثيرين يزعجهم التخاطب باللغة العربية, وبعض الناس يستشعر شيئًا من التكبر والتعالي من المخاطِب له بهذه الطريقة, ويتهمه بأن عنده شيئًا من الإعجاب بذاته أو الترفع عن الآخرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت