ولذلك لو نظرنا إلى عالمنا الإسلامي اليوم سنجد عجبًا ، فنحن اليوم يكثر فينا الخطباء ، ويغيب عنا الفقهاء ، بالمعني العام لكلمة الفقه ، لا نزال نفتقد الكوادر البشرية المسلمة المتخصصة والمدربة ، على الرغم من هذا التاريخ العريق في الدعوة ومسؤولية البلاغ المبين .
كما أن خطابنا في معظمه لا يزال داخليا ، لم نستطع أن نصل به إلي مرحلة الخطاب العام والعالمي ، علما بأن الخطاب الإسلامي توجه إلي الناس جميعا منذ اللحظة الأولي لبدء الوحي …يقول تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا } (5) ، ويقول تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (6)
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ( رضي الله عنهما ) قَالَ: إِنَّ اللَّهَ فَضَّلَ مُحَمَّدًا عَلَى الْأَنْبِيَاءِ . فَقَالُوا: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ بِمَ فَضَّلَهُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ ؟. قَالَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ...الْآيَة} َ ، وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ } فَأَرْسَلَهُ إِلَى الْجِنِّ وَالْإِنْسِ (7) .
قال الحسن البصري ـ رحمة الله ـ ليس الإيمان التحلي ولا بالتمني ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال ، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قال لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة . قيل: يا رسول الله ، ما إخلاصها؟ قال: أن يحجره عن محارم الله تعالى (8) .
هذا ما أسعفتنا به الذاكرة لنقدم به لموضوع الخطاب الديني والذي نسأل الله تبارك وتعالى أن ينال رضاكم ، و إلا فنحن لم نسطره طمعًا أو رهبًا ، بل سطرناه ابتغاء وجه الله تعالى والدار الآخرة ، فما فيه من الحق والتوفيق فمن الله و0حده ، وما فيه من باطل أو خطأ أو نسيان فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريئان منه وكتب:نصر بن محمد بن رواق الصنقري.
المبحث الأول
ما المقصود بتطوير الخطاب الديني ؟ وكيف يتم ؟
تمهيد
إذا كان القصد من مشروع تطوير الخطاب الديني هو القضاء على العنف ودفع عجلة التقدم فالأصوب والأسلم هو التحول عن منهج معالجة النتائج إلى منهج معالجة الأسباب.
والواقع أننا نرى أن مشروع تطوير الخطاب الديني الذي يطرحه العالم الغربي اليوم لاسيما أمريكا كما لو كان تعبيرا عن تحولها إلى منهج معالجة الأسباب هو في حقيقته استمرار لمنهج معالجة النتائج ، حيث أن الخطاب الديني الحالي الذي يصفونه بأنه"متسم بالتشدد"هو في ذاته نتيجة لأسباب أخرى تتصل بالظلم والفساد وانحسار العدالة والهيمنة وغياب احترام كرامة الإنسان ـ هذا برغم التحفظ الذي أبديناه في مقدمه عملنا ـ . وهذا يقتضي أن يطوَر الخطاب الديني بمعالجة أسباب تشدده وليس من خلال تغيير مضمونه الذي من شأنه أن يكثف من ضغوط الهيمنة والإحساس باستخفاف الغرب بكرامة العربي والمسلم.
ورد في مقال للأستاذ خالد أبو الفتوح قوله:"فالأمر بلا تعقيد أن لأمريكا مصالح في هذه المنطقة، وأن شعوبها ـ بوضعها الحالي ـ تعد معامل تفريخ لمن يهددون أمن أمريكا ، وعلى وجه التحديد فإن «المدارس الدينية في العالم الإسلامي تجند المتشددين الشبان» بحسب تعبير وزير الحرب الأمريكي رامسفيلد في مذكرة منسوبة إليه (9) ، كما أن هذا الواقع يعرقل التعايش والتعاون بين هذه الشعوب وأصدقاء أمريكا وحلفائها في المنطقة، وعلى رأسهم (إسرائيل) ."
? فما السبيل إلى التغيير المنشود؟
ثم يستطرد قائلًا: تعالوا نرتب الأوراق بالمنطق الأمريكاني:
? الإسلام بقيمه ومبادئه يمثل خطرًا على أمريكا ، وليس الأمر أمر (قوىً أصولية) يراد التخلص منها.
? وهذه القيم والمبادئ هي التي تفرخ بعض من نشؤوا في المنطقة وتدفعهم للقيام بأعمال خطرة على أمريكا ومصالحها وأصدقائها وحلفائها.
? وهؤلاء يتشربون هذه القيم والمبادئ الخطرة عبر منظومة معقدة من المفاهيم المبثوثة في مناهج التعليم والمواعظ الدينية ، ويغذيها أحيانًا إعلام غير مسؤول ، إضافة إلى عادات اجتماعية متوارثة ترسخ هذا النمط من القيم والمبادئ والسلوكيات .
? فهناك ثلاثة عوامل رئيسة تساهم في تشكيل العقلية العربية والإسلامية: الإعلام ، والتعليم ، و (الخطاب الديني) ، والأخير هو أخطرها لما يحمله من احترام و (تقديس) لدى فئات كثيرة ، ولكونه يصل إلى جميع الطبقات ويخاطب جميع المستويات .
? و (الخطاب الديني) هو جزء من الهوية والتكوين الروحي والفكري والنفسي والاجتماعي لهذه الشعوب ، فمن غير الممكن مصادمته وإسقاطه كلية بشكل فج ومباشر ، خاصة إذا جاءت هذه المصادمة ممن هم خارج إطاره .
? ومن الملاحظ أن هذا التكوين تشكل عبر سنين طويلة ؛ فمن غير المتوقع إعادة تشكيله عبر الميكروويف من غير احتراق ، ولكن أيضًا فإن المصالح الحيوية لأمريكا والإدارة القاطرة التي تقودها لا يحتملان الانتظار أمام النار الهادئة (10) .
ثم يواصل الكاتب حديثه قائلًا:"الملامح التي لوحظت على هذه الحملة ، وهي في نظري ما يأتي:"
? أن هذه الدعوة ظهرت في البلاد التي يقوى فيها النفوذ الأمريكي ، مع وجود نشاط ملحوظ في البلدان التي تعد تاريخيًا مرجعيات العالم الإسلامي .
? وأنها جاءت اتساقًا مع خطة تطوير مناهج التعليم التي أملتها وأوعزت بها قوى خارجية معينة ، مستغلة أحداثًا وظروفًا معروفة ، فجاءت هذه الحملة استكمالًا لمخطط إعادة تشكيل العقلية المسلمة.
? الالتباس المتعمد في هذه الدعوة ، فعلى عادة العلمانيين والتغريبيين في الإيهام والغموض عندما يتعلق الأمر بخطوة يصعب على الجماهير هضمها ، جاءت الدعوة إلى تجديد الخطاب الديني ، فكلمة (الخطاب) تحتمل أن يكون المقصود بها (مضمون) الخطاب ومحتواه ، وتحتمل أن يكون المقصود بها (شكل) الخطاب بما يتضمنه هذا الشكل من أساليب ووسائل عرض المضمون .
ولا شك أن مقصود مروجي هذه الدعوة هو تجديد مضمون الخطاب الديني ، أي (تجديد) القيم والتصورات والمبادئ التي يحتويها هذا الخطاب ، ولا يخفى على القارئ ما تتضمنه كلمة (تجديد) من معانٍ تشمل كون هذه القيم والمبادئ والتصورات أصبحت بالية ولا تصلح لهذا العصر . (11)
وكمثال على ما نقول نورد ما ذكره الكاتب المصري أحمد عبد المعطي حجازي (12) في معرض إيضاحه للمقصود بكلمة (الخطاب) أن هذا العصر الذي نعيش فيه هو عصر العلم الذي نرجع إليه في كل أمر من أمور حياتنا ، أو أن هذا ما ينبغي أن نفعله ، فنقرأ ، ونفهم ، نناقش ، ونجرب ، نحلل ، ونقارن لنعرف الأسباب ، ونتوقع النتائج ، ونفسر ما يحدث في الطبيعة والنفس ، والجسم ، والمجتمع .