فهرس الكتاب

الصفحة 334 من 719

أحس شيخ الإسلام ابن تيمية خطر التتار على الأمة الإسلامية؛ لأنهم غلبوا المسلمين في كثير من البقاع وَهَابَهُم القاصي والداني، والمغلوب دائمًا يُقلد غالبه، فأخذ المسلمون يُقلدون من غير وعي هذه الأمة، لذا؛ ألف -رحمه الله- كتابًا أسماه: (مخالفة أصحاب الجحيم) الذي حذر فيه من تشبه المسلمين بغيرهم من أهل الملل والنحل.

وقد تشابهت الأيام بين عصر شيخ الإسلام وعصرنا، فالكفار على اختلاف عقائدهم تجمعوا علينا من كل حدب وصوب يريدون أن يستأصلوا الأمة وأنَّى لهم ذلك وأتباع محمد S مازالوا يعبدون الله ويعظمون شريعته، وقد عاون أهل الكفر في طريقهم إلينا أهل النفاق من أمتنا المُتّغَربين النابذين لثياب الإسلام؛ منهم من حارب الإسلام عن قصدٍ ونيَّة، ومنهم من حاربه عن جهل، فهذا أحدهم يقول:"لابد من مواجهة الدعوات الإسلامية في أيامنا مواجهة شجاعة بعيدًا عن اللف والدوران، وأن الإسلام كغيره من الأديان يتضمن قيمًا خلقية يمكن أن تستمد كنوع من وازع الضمير أما ما جاء فيه من أحكام وتشريعات دنيوية فقد كانت من قبيل ضرب المثل ومن باب تنظيم حياة نزلت في تجمع بدائى إلى حد كبير ومن ثَمَّ فهي لا تلزم عصرنا ومجتمعنا" [2] .

فهذا أفاك أثيم؛ لأننا إذا قارنا الإسلام بمختلف ديانات العالم عرفنا أن عقائدها منعت معتنقيها من التقدم الحضارى عندما استمسكوا بها، ودارس التاريخ يلاحظ أن أهل أوربا والبوذيين في اليابان على سبيل المثال، لما كانوا راسخين في معتقداتهم الدينية كانوا على أسوأ ما يكون من أدوار التخلف، ولما أحرزوا لأنفسهم الرقى والتقدم في حياتهم العلمية والعقلية والمادية نبذوا الدين وراء ظهورهم وما عادوا مؤمنين بهذه المعتقدات التي كانت سببًا في تأخرهم العلمى.

أما المسلمون فعندما كانوا أقوياء في إيمانهم بمعتقداتهم صاروا أكثر أمم الأرض تقدمًا وازدهارًا وقوة ومجدًا وما أن دب دبيب الضعف في إيمانهم بها؛ حتى تخلفوا في ميادين العلم وضعفوا في صراعهم للرقى الدنيوي وتحكمت فيهم واستولت عليهم أمم أجنبية وهذا فرق عظيم بين معتقدات الإسلام ومعتقدات الديانات الأخرى في العالم.

إن أمتنا خاضت معارك مع الاستعمار حتى أجلته عن ديارنا وكانت معارك هدم وتحطيم، واليوم وقد خلت البلاد من أرجاسهم وأنجاسهم فعلينا -معاشر المسلمين- أن نبنى نهضتنا على أساس من دين الإسلام، لا أن نقلد غيرنا من أهل الملل والنحل الفاسدة التي تحادّ شرع الله؛ فتقليد أوربا وأمريكا صخرة لا ينفجر ماؤها، وشجرة لا يخضر ورقها، وأرض لا ينبت زرعها، وتقليدهم ضعف في الإيمان، وسلوك طريق الذوبان، واقتراف الإثم والعصيان.

فعن ابن عمر قال [3] : قال رسول الله S: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» قال ابن كثير [4] : فيه دلالة على النهى الشديد والتهديد والوعيد على التشبه بالكفار في أقوالهم وأفعالهم ولباسهم وأعيادهم وعبادتهم، وغير ذلك من أمورهم التي لم تشرع لنا، فالتشبه بغير أهل الملة قد يكون عنوانًا على الرضا عن دين المرء وخلقه؛ فيكون ذلك مدعاة؛ لأن يُحشر معه يوم القيامة على دينه وملته؛ كما قال S [5] : «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ» فانظر يا عبد الله إلى من تحب؛ أتحب رسول الله S والصحابة وخيار الناس، أم تحب الأمريكان والأوربيين واليهود والنصارى؟!.

إنَّ النَّبِيّ S يريد للمسلم شخصية متميزة، ينفرد بها عن غيره ولا يكون تابعًا لأحد، فهذه من أعلى مقامات التربية؛ تربية النفوس وبناء الشخصية وتحديد الهوية وإعداد الرجال وبناء الأمم وقيادة الركب، والتفرد والتميز؛ حتى في صغائر الأمور التي قد يظنها البعض أنها لا تتعدى العادات والتي لا تدخل في تربية الأجيال وتنشئة الأمم.

إن الرسول S يتعامل مع النفوس ويخاطب الأرواح ويُوقظ الحس والمشاعر؛ فهو S بمثابة الطبيب الذى يحافظ على صحة من حوله، ويحذرهم مما يؤثر على صحتهم من قريب أو بعيد قبل أن يقع بهم الداء ويستفحل المرض وتنتشر العدوى؛ لأن الوقاية خير من العلاج، فهو S رحيم بهذه الأمة يرشدها لكل مافيه خيرها وسعادتها في الدنيا والآخرة، ويحذرها من كل شر وسوء.

ولتعلموا -أيها الأحبة- أن غيرنا لا يحب لنا الخير فقد قال تعالى: {وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء} [النساء89] وقال أيضًا: {وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} [آل عمران118] وقال أيضًا: {إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاء وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} [الممتحنة2] وقال أيضًا {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ} [البقرة217] .

ورغم أنهم لا يحبون لنا الخير، ولا يريدون لنا النصح، فقد وقع المسلمون فيما نهاهم الله عنه من طاعتهم والانقياد لهم, قال تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ} [آل عمران 149] فترى كثيرًا من الحكام والمحكومين في البلاد الإسلامية أسلموا إلى الكفار قيادهم وعقولهم وألبابهم، وأسلموا إليهم في بعض الأحيان بلادهم وهم ألد أعداء الإسلام والمسلمين، بل قاتل أُناسٌ ينتسبون للإسلام إخوانهم المسلمين في دول إسلامية أخرى طاعة وامتثالًا لأمر الكفار، ثم عم البلاء فظهر حُكام في كثير من البلاد الإسلامية من بعد سقوط الخلافة إلى الآن يدينون بالطاعة للكفار -عقلًا وروحًا وعقيدة- واستذلوا الرعية من المسلمين وبثوا فيهم عداوة الإسلام بالتدرج, حتى كادوا يردوهم على أعقابهم خاسرين, وما أولئك بالمسلمين.

إن المسلم الحق هو الذى يتبع منهج الله ومنهج رسوله, ويعلم أن الكفار لصوص عقيدة؛ يريدون أن ينسلخ المسلم من إسلامه؛ ليسهل قياده إلى الهاوية وإلى العبودية.

ويجب عليه أن يعلم أن الشريعة الإسلامية تُربي المسلم تربية خاصة، وتُنشئه تَنشئةً مميزة، وتجعل له التميز والتفرد والقيادة، وتريد له الريادة والتقدم، وتهيئه للأخذ بزمام الأمور وقيادة الركب فيتقدم المسلم للأخذ بزمام السفينة؛ لينجو العالم من مهاوى الشرك والضلال، ويصل برَّ الأمن والأمان إلى شاطىء الإسلام الذى ارتضاه الله للعالمين دينًا؛ فهو مشعل هداية ومنبع حياة كريمة لكل من أراد أن يكون عبدًا شكورًا، ولكل من كان له قلب رشيد أو ألقى السمع وهو شهيد.

فالمسلم أراد له ربه في علاه أن يُتَّبع ولا يَتَّبع، وأن يكون قائدًا لا مقودًا، وأن يكون سائدًا لا مسودًا، وأن يكون في المقدمة لا المؤخرة، وأن يكون عزيزًا لا ذليلًا لذا؛ جاءت نصوص السُنَّة النبوية المطهرة بالنهى عن التنشئة بغير الإسلام، وأن المسلم لابد أن يتميز عن غيره في كل أحواله سواء في العقائد والتصورات أو في العبادات أو في العادات والسلوك أو في المعاملات والعلاقات أو في المظاهر والتقاليد.

ولو أذن الإسلام بالأخذ عن العدو في كل شيء ومتابعته فيما يريد التشبه به؛ لتلاشت معالم الإسلام وأحكامه ولذابت شخصية المسلم وحسبك واقع المسلمين اليوم في كثير من البلدان الإسلامية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت