1-الادعاء بحماية هذا الأخ من بطش عدو يملك القوة والعتاد بينما لا يملك هو إلا الإيمان الذي يمكن أن يلهب الحماس ولكنه قد يعجز عن مواجهة الأساطيل البرية والبحرية والجوية ، مع أن مثل هذا الشخص لو عاد إلى التاريخ لوجد أن الجيش الذي يحارب بمعنويات عالية وثقة بالنصر قادر"على أن ينتزع النصر من جيش يبلغ أضعاف حجمه في العدد والسلاح"، وصدق الله تعالى بقوله:"كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله".
2-الادعاء أن هذا الأخ عاجز عن إدراك كنه الإسلام وحقيقته ، واقف عند حدود الحروف والنصوص التي تبدلت أحكامها بتبدل الأزمان ، فلم تعد كلمات التعبئة التي كانت تستخدم سابقًا تفيد اليوم . من هنا لو ردد الأفغاني أو العراقي ألف مرة في اليوم"واإسلاماه"فلن يجيبه أحد لأن معتصم الأمس لم يعد موجودًا اليوم، فلقد استُبدل بالمصالح الاستراتيجية والأمنية والحدودية وغير ذلك من التعريفات التي تجعل حدود الأمن لا تتجاوز البلد الواحد .
وكل هذا لا يمنع المسلم ، في بعض البلدان ، من التعبير عن تضامنه مع أخيه والتعبير عن سخطه من ظلم الآخرين وبطشهم ، ولكن كل هذا بشرط عدم تجاوز الأمر الكلام والهتافات ، أما الأفعال والمشاغبات ، بمفهوم المنهزمين ، فممنوعة بطرق عدة ، إما بإقفال الحدود أمام المجاهدين وإما عن طريق الاستخفاف بمفهوم الجهاد الذي تحاول بعض وسائل الإعلام تشبيه الداعين إليه بالأطفال الذين لا يملون من لعبة"بيت بيوت"، تلك اللعبة التي تُشعر اللاعب بها بأنه بطل حقيقي فيتحمس ويصرخ ويندد، ولكنه بعد انتهاء الوقت المحدد للعبته يعود إلى واقعه وبيته وكأن شيئًا لم يكن .
أما المسكين الآخر فهو أيضًا ذلك المسلم الذي يعود إلى نفسه في لحظة من لحظات صفاء فطرته فيبحث في الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة عن دلائل النصر التي وعد بها الله عز وجل ، ويستغرب سبب تأخر هذا النصر مع وجود كل هذا الظلم والمعاناة التي تحيط بالمسلمين اليوم .
إن هذا المسكين قد نسي أو جهل أو أغفل أسباب النصر التي وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة والتي ربطها الله عز وجل بالعمل الجاد وإخلاص النية وبذل النفس والمال وما إلى ذلك من الأعمال التي لا يمكن أن يتم من دونها نصر أو مدد ولو استغرق الظلم قرونًا عدة .
لقد أدرك السلف الصالح أسباب النصر ودواعيه وعملوا منذ اللحظة الأولى التي أعلنوا فيها إسلامهم على التقيد بأسبابه ، ومع ذلك ابتلاهم الله عز وجل في بعض الأحيان بتأخير لحظة النصر حتى يمتحن صبرهم ويقينهم بالله عز وجل حتى إذا استيئسوا جاءهم النصر ، وكلنا يذكر قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم"يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ألست برسول الله ؟ قال: بلى . قال: أو لسنا بالمسلمين ؟ قال: بلى ؟ قال: أو ليسوا بالمشركين ؟ قال: بلى . قال: فعلام نعطى الدنيَّة في ديننا ؟ قال: أنا عبد الله ورسوله ، لن أخالف أمره ، ولن يضيّعني".
وإذا كان الصحابة رضوان الله عليهم مع ما هم عليه من مرتبة رفيعة ، قد ابتُلوا بتأخير النصر فكيف بالمسلم اليوم الذي قد يصل به الجهل بدينه وأحكامه أن لا يرى في القرآن الكريم إلا آيات تتلى في مناسبات الموت والعزاء ، وأن لا يرى في أحكام القرآن وحدوده إلا تخلفًا وتقهقرًا كان لهما اليد الطولى ، بزعمه ، فيما وصل إليه المسلمون من انهزام وذل .
وكذبوا والله ، فلا عز إلا بالإسلام ولا ذل إلا بالنفاق والرياء اللذان باتا من الشعارات التي يرفعها بعض المسلمين اليوم بدون حياء أو خجل ، مدعين خدمة الإسلام وتنقيته من الشوائب التي يحاول بثها بعض أبنائه الرجعيون ، بينما هم في الحقيقة يدعون إلى نسيان القرآن وهجره وترك أحكامه وإبطال حدوده .
ويستغربون … ويستغربون … لماذا يبطئ نصر الله عز وجل الذي وعد عباده به ؟
إن أسباب حجب الله سبحانه وتعالى النصر عن المسلمين اليوم متعددة وإن كانت لا تخرج عن مستويات ثلاث:
المستوى الأول تشريعي مرجعه الابتعاد عن تحكيم شرع الله تعالى فيما أمر به ، والالتفاف حول حكم الدساتير والقوانين التي سنها اليهود وأتباعهم بطريقة تخدم مصالحهم وأهواءهم .
المستوى الثاني جماعي مرجعه التباغض والتحاسد والتنافر بين المسلمين مما مكّن الأعداء من اختراق صفوفهم والكيد لهم بأيدي إخوانهم الذين زينوا لهم الباطل وألبسوه ثوب الحق .
أما المستوى الأخير فهو فردي مرجعه تغلب حب الدنيا وحب الجاه على نفوس بعض المسلمين مما جعلهم يحوّرون مفهوم الجهاد والنصر بما يتناسب مع أهوائهم الشخصية والفردية .
وختامًا نقول … مهزومون نحن … نعم … ولكن هزيمتنا ليست خارجية، بل إنها هزيمة داخلية ، وما لم نعد إلى أنفسنا ونصحح ما في ذواتنا … فلن يأتي النصر… لأن النصر لم ولن يكون بالقوة والعتاد … وإنما هو بالعزم والجهاد .
الليبراليون الجدد.. في حِقبة ما ( تحت ) الحداثة!
د.مسفر بن علي القحطاني
رئيس قسم الدراسات الإسلامية والعربية
بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن
الليبرالية والحداثة من أعقد المصطلحات على التعريف والضبط المنطقي، ولكنها عند التناول والاستعمال تتشكّل وحدة معرفية يتضح منها المقصود العام عند الإطلاق. فالليبرالية -بشكل عام- كلمة مترجمة من الإنجليزية يقصد بها الحرية المطلقة في الميدانَيْن: الاقتصادي والسياسي، ثم انسحب ذلك على الميادين الأخرى: الفكرية والاجتماعية والدينية. (1)
أما مصطلح الحداثة فالاختلاف في تحديد مفهومه مازال قائمًا ومعقدًا عند الكثير من مفكري الغرب المعاصرين.
فالحداثة بتعبير ( بيتربروكر) كان بناءً على ما قامت أركانه بعد وقوع الحدث نفسه، فاستخدام اللفظ وشيوعه كان حديثًا ومحصورًا بالحقل الأدبي، فأصبحت تطلق على التجديد كأداة للإبداع الأدبي والرؤى المبتكرة ثم انسحبت أيضًا لتشمل المجالات الفكرية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها, فالحداثة وعي جديد، وهي شرطٌ تمكن الغرب من تحقيقه وإنجازه وأحيانًا تفاعل ضده من أجل تقويضه وإلغائه. (2)
وقد عبَّر عنها الدكتور الغذامي بـ"التجديد الواعي"بمعنى تحديث النسق الذهني ليكوّن وعيًا شاملًا للتاريخ وللواقع. (3)
والناظر في واقع الفكر الليبرالي الذي تَبَنّى الحداثة بجميع إشكالها قد حقق انتشارًا واسعًا في العالم كله خلال العقود الماضية، واخترق المعسكر الشيوعي، وضرب معوله في جدار برلين ليعلن السقوط الكلي للفكر الاشتراكي في الغرب.
أما عالمنا العربي فنتيجة للامتداد الفكري والسياسي مع الغرب فقد تبنت منه الكثير من مجتمعاتنا العربية الليبرالية الرأسمالية والسياسة الديمقراطية على غرار بقية فريق الشمال الأبيض، ولم تكن هناك قناعة تامة بهذا الانتماء الفكري لليبرالية عند كثير من أبناء تلك الشعوب بعكس القليل من النخب المثقفة فيها.
وتمت من أجل ذلك محاولات كثيرة لمسخ الهوية الدينية والقومية وإرغام تلك المجتمعات بتبني ثقافة الحداثة على النمط الغربي وتسيسها بالفكر الديمقراطي مما أنتج مع تراكمات الزمن وتسلط المستعمر أشكالًا متطرفة من الأصولية القومية إلى الليبرالية المتطرفة إلى العنف الإسلامي مما كلّف الأمة المزيد من المعانات والويلات الطويلة والمؤلمة جرّاء ذلك الانفصام النكد لشخصية الأمة وموروثها الديني، والذي مازلنا نعاني من إفرازاته السلبية إلى وقتنا المعاصر.