وفي عام1935 م توفي السيد محمد رشيد رضا صاحب (( (( المنار ) )))
وتزعزعت مسيرة المجلة , وانطفأ أحد أسرجت العلم والمعرفة حتى عادت في شهر يوليو 1939 م وتولى زمام أمور بعد رشيد رضا الإمام حسن البنا وفي ذلك يقول محمد مصطفى المراغي شيخ الأزهر في مقدمته لهذا العدد بمناسبة عودة المجلة"والآن قد علمت أن الأستاذ حسن البنا يريد أن يبعث (( (( المنار ) )) ويعيد سيرتها الأولى فسرني هذا , فإن الأستاذ البنا رجل مسلم غيور على دينه , يفهم الوسط الذي يعيش فيه أ.ه ."
وإلى يومنا هذا ومنذ ستة وسبعين عاما ولازالت هذه الحركة *صامدة رغم المكائد تخرج* وانتشرت في أكثر من ثمانين قطر في كل قارات العالم وشكلت خطرا على الغربيين وهذا حق شهدت به الأعداء أمثال سميث في كتابه ( الإسلام اليوم ) و زوجانوسكي الروسي وغيرهم .
ثالثًا/ (( هل نجحت الصحوة الإسلامية في استيعاب حاجة الناس وملامسة همومهم ) )
إن مقصد ظهور الصحوة الإسلامية هو مقصد إيماني شرعي لا غبار عليه , وأصحابها في الغالب لا يريدون من إبرازها والإعلان عنها إلا صلاح المجتمع وهداية الناس , لذا أستطيع القول أنها استطاعت بشكل مباشر وغير مباشر استيعاب حاجة الناس وملامسة همومهم , وهذا لا يمنع أن هناك جوانب أخرى من نشاطات هذه الصحوة الإسلامية أو مشاريعها لم تستطع استيعاب الحاجات أو ملامسة الهموم , ولعلي هنا أذكر بعض الجوانب التي استطاعت الصحوة الإسلامية من خلالها امتلاك قلوب الناس واهتمام الناس بها وبأفكارها وهي:ــ
1// أن مناهج الصحوة تدور حول الدعوة إلى الله والعمل بسنة محمد عليه الصلاة والسلام في الوقت الذي كانت فيه المجتمعات المسلمة غارقة في النعيم المُلهي , واللذائذ المطغية , والتي أسرت العقل والقلب والبدن حتى أصبح الإنسان المسلم والعربي بالتحديد إنسانًا دنيويًا غارق في بحر الشهوات القاتلة إلى أن وصل مرحلة الفراغ الروحي والذي لا يستقر ولن يستقر إلا بكلام الإيماني , ومنهجه السوي , فجاءت الصحوة فدعت إلى العودة إلى الله والعمل بسنة نبيه عليه الصلاة والسلام والزهد في الدنيا والعمل للآخرة , والحرص على عمل الصالحات , والبعد عن الحرام , فوجد الكثير من الناس في ذلك الوقت العصيب ضالتهم وبحثوا عن الاستقرار فوجدوه من خلال هذه الصحوة .
2// لقد عانت المجتمعات المسلمة كثيرًا من ظلم الحكومات المتسلطة , وقهر أعوان الغرب وأذنابها , ومما يدل على ذلك تسلط أهل الحداثة على منابر الفكر وميادين القلم الأمر الذي هُمِّش فيه أهل الدعوة والثقافة الإسلامية والأدب الإيماني الجميل من الإسلاميين المحافظين وكان ذلك في السبعينات والثمانينات الميلادية , وأيضًا حُجِر العلماء وطلابهم من القيام بنشاطاتهم الدعوية والإصلاحية في مجتمعاتهم ومضايقتهم واتهامهم بالسؤ حتى انتهى الأمر إلى سجنهم وإعدام بعضهم , فجاءت الصحوة وحددت معايير الانطلاق , وأُسس المواجهة مع الآخر بالطرق الحوارية المباشرة وغير المباشرة , واتجهت بالطرق العلمية وبواسطة علماء الصحوة المثمرين والنشيطين إلى السعي وراء الحصول على مساحات إعلامية , ومنابر توعوية , وعلاقات عامة تساعد على الوصول إلى كل متلقي سواءً كان المتلقي مسؤولا أو غير مسؤول , واستطاعت الصحوة والقائمين عليها من إنشاء المراكز الإسلامية , وأن تؤلف الكتب العلمية , وأن تستضيف الأفكار الأخرى لتحليلها ومراجعتها ومن ثم ترد عليها فكسبت الاحترام من الآخر , وحصلت على ما تريد من خلال هذه الطريقة للوصول إلى الناس وملامسة همومهم , وقراءة أفكارهم لاستجابة طلباتهم .
3// اهتمت الصحوة بالجوانب الإغاثية والمساعدات الإنسانية , ودعت إلى الاهتمام بالدول الفقيرة المسلمة , وإيجاد سبل عملية حثيثة لوصول تبرعات المجتمعات المسلمة للفقراء والمعوزين في جميع البلاد الإسلامية إضافة إلى ما قامت هي من فتح صناديق للتبرعات الخيرية , ومن إنشاء للمراكز الصحية والتعليمية , وهذا الجانب وإن كان أصحابه ينوون به الأجر والنصرة إلا أنه عامل مهم في استقطاب قلوب الناس ومعايشة واقعهم .
4// دعت الصحوة الإسلامية إلى الجهاد في سبيل الله , والوقوف في وجه المحتل , والعمل على إنشاء القيادات العسكرية التي بقوتها تقوى الأمم بعد قوة الله تعالى , وهذا من أهم متطلبات الناس والأمة بوجه عام , خاصة وإن كانت قابعة تحت الاحتلال والتهديد والاستعمار والذل والهوان
-وهناك الكثير من الجوانب الأخرى إلا أنني وكما أسلفت وقفت على أهمها على الاطلاق .
رابعًا/ (( هل خرجت الصحوة من عباءة العاطفة إلى ميدان البناء الراشد للعمل المؤسسي ) )
من الطبيعي أن تأسر الصحوة ونشاطاتها قلوب كثير ٍ من الناس خاصة إذا ظهرت في أوقات الأزمات والمتاعب في مسيرة الدعوة إلى الله , فالناس ينتظرون بين كل فترة وأخرى من يجدد أمور دينهم ويوعيهم وينصحهم
ويبث فيهم الروح الإسلامية الجميلة في زمنٍ كثرت فيه الملذات والشهوات وتلاطمت أمواج الشبهات بعضها ببعض , وعملت الصحوة على تحقيق هذا الجانب في كثير من مقالات أصحابها ومؤسسيها ومنابرها , لأنهم بهذا الجانب كسبوا الكثير من أنصارهم وأتباعهم , وأرى والله أعلم أن هناك من العلماء والدعاة حفظهم الله لا يزالون يأخذون بهذا الجانب ليضمن لهم إتمام المسيرة الدعوية ولا حرج في بالنظر إلى المقصد فـ (الأمور بمقاصدها) والله أعلم .
وكما أسلفت في مداخلة سابقة أن الصحوة الإسلامية رغم اعتمادها على الجانب العاطفي إلا أنها ساهمت بشكل جلي في العمل المؤسسي المنظم وأذكر من ذلك:ـــ
1/// قيامها بإنشاء المراكز الإسلامية خاصة في دول شرق آسيا وأوروبا وأمريك .
2/// استطاعت أن تعمل على تنشئة جيل من الدعاة والخطباء والمثقفين والساسة الذين يتحدثون باسمها على كافة الأصعدة .
3/// عملت على ترشيح أعضائها في الانتخابات الحكومية والبلدية والعمالية .
4/// ساهمت وبشكل كبير في توعية الشعوب الضالة أو المنحرفة حتى ظهر لها من النتائج ما يلمسه الجميع .
5/// استطاعت أن تزاحم أرباب الأفكار الأخرى , والعقائد المختلفة على وسائل الإعلام المختلفة وذلك بالبرامج الهادفة , والمقالات المثمرة والتي وجدنا نتاجها على القراء والمشاهدين والمستمعين .
إلى غير ذلك من مساهمات الصحوة في ميدان البناء الراشد .
خامسا/ً (( هل تحولت الادلجة والتحزب خلف الفكرة والأفراد والجماعة معضلة في حراك الصحوة الميداني ) )
لقد جاء هذا الدين الحنيف مبينًا فضل التعاون واللحمة في قضاياه المصيرية , ونابذًا للفرقة والتعنصر والحزبية والتي لا يؤول مشروعها إلا للإفلاس والخسارة , ولعلي أذكر هنا ما يدل على ذلك:ــــ
1/// حينما تتحرك إحدى جماعات الصحوة , وتبرز نشاطاتها , وتتبلور داخل المجتمع فإنها تأتي جماعة أخرى قد تكون موافقة لها في المقصد ولكنها تختلف اختلافًا كاملًا في الأفكار والرؤى , فتُطبق القاعدة الاجتماعية التي تقول (( متى يبلغ البنيان تمامه؟ إذا كنت تبني وغيرك يهدم ) )فيشكل هذا الاختلاف عائقًا مهمًا في مسيرة الصحوة وحراكها الميداني .