نعم، كما وعدنا الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، قال ـ تعالى ـ: (( هُوَ الَذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ ) ) [التوبة: 33] ، وقال رسول الله: (... ثم تكون خلافة على منهاج النبوة) (1) ، وقد بيّن الله هوية الذين سيسلطهم على اليهود، إن عادوا إلى الإفساد في الأرض: (( بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بًَاسٍ شَدِيدٍ ) ) [الإسراء: 5] ، وأخبر -صلى الله عليه وسلم- أن (الهوية الإسلامية) ستكون هي هوية الذين يقاتلون اليهود، حتى إن الحجر والشجر ليقول: (يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهودي خلفي، تعال فاقتله) (2) الحديث، فالإسلام وعبادة الله وحده هو مفتاح النصر والتمكين.
أما شعارات الدجاجلة الذين بدلوا نعمة الله كفرًا، والذين هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، فهؤلاء ستجرفهم سنة الله: (( فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ ) ) [الرعد: 17] ، فما هؤلاء الضالون المضلون، من دعاة التغريب والقومية والعلمانية.. إلخ سوى (فقاقيع) ، سنحت لها الفرصة لتطفو على السطح، ثم تتلاشى كأن لم تكن، وسينتصر الإسلام رغم أنف الجميع.
إن العالم الإسلامي هو الآن الأجدر بالوصاية على المجتمع البشري، بعد انسحاب الأديان الأخرى من معترك الحياة، وبعد انهيار الشيوعية الملحدة، وإفلاس الغرب المادي من القيم الروحية السامية.
قصّ الأستاذ يوسف العظم؛ أن وزير الحرب اليهودي (موشي دايان) ، لقي في إحدى جولاته شابًا مؤمنًا في مجموعة من الشباب، في حيٍ من أحياء قرية عربية باسلة، فصافحهم بخبث يهودي غادر، غير أن الشاب المؤمن أبى أن يصافحه، وقال له: (أنتم أعداء أمتنا، تحتلون أرضنا، وتسلبون حريتنا، ولكن يوم الخلاص منكم، لا بد آتٍ بإذن الله، لتتحقق نبوءة الرسول:(لتقاتلن اليهود، أنتم شرقي النهر، وهم غَربِيّه) ، فابتسم (دايان) الماكر وقال: (حقًا! سيأتي يوم نخرج فيه من هذه الأرض، وهذه نبوءة نجد لها في كتبنا أصلًا.. ولكن متى؟) ، واستطرد اليهودي الخبيث قائلًا:(إذا قام فيكم شعب يعتز بتراثه، ويحترم دينه، ويقدر قيمه الحضارية..
وإذا قام فينا شعب يرفض تراثه، ويتنكر لتاريخه، عندها تقوم لكم قائمة، وينتهي حكم إسرائيل).
* استعادة هوية الأمة فرض مؤكد على الأمة كلها، ولا شك أن المسؤولية تتأكد في شأن من حمّلهم الله هذه الأمانة.
فمن هم أصحاب هذه المسؤولية؟
د/ جمال عبد الهادي:
المسؤول عن إيجاد الشخصية ذات الهوية الإسلامية والحفاظ عليها من التيارات الهدامة هم أولياء الأمور، وإذا كانت الدولة الإسلامية دولة عقدية؛ فإن الأمة لا بد أن تُربى على الإسلام، وإليه يُدعى الناس، وأولياء الأمور هؤلاء كلٌ بحسبه وحسب ما ولاه الله، ابتداءً من الحاكم، وانتهاءً بالأب في بيته، والمدرس في مدرسته، وعلى ذلك فإننا بحاجة لأن نستنفر طاقات الأمة لحماية هذه الهوية.
* بعد أن تشعب بنا الحديث في جوانب عدة، نحتاج لأن نجمل التحديات في طريق صعودنا نحو قمتنا الشماء (الهوية الإسلامية) ؟
د/ جمال:
يمكن أن نجمل أكبر التحديات التي تواجه الهوية في ثلاثة تحديات عظمى هي:
1-التحدي المنبعث من واقع المسلمين المتمثل في الانحراف العقدي والسلوكي، والجمود الفقهي، والإفساد الفكري.
2-التحدي المنبعث من داخل المجتمع الإسلامي نتيجة الاحتلال، ويتمثل في الشعوبية ونفوذ التبشير، ومناهج التربية والتعليم التي أخرجت الإسلام من قلب وعقل المسلم، وفتحت أمامه طريقًا لترسخ مكانه الأوهام والأهواء، عن طريق ربائب الغرب وصنائعه في بلادنا.
3-التحدي الخارجي، ويتمثل في الغرب ومناهجه ودعوته، ومِن ورائه الاستشراق والتغريب ليملأ الفراغ الذي تركته مخططات الاستعمار، في تفريغ التربية والتعليم من مضمونيهما، وتسطيح الأفكار والحقائق العلمية والتربوية في عالمنا الإسلامي، وقد تظاهرت الحركات الاستشراقية والتبشيرية على هذا العمل.
وفي رأيي أننا لو حسمنا التحدي الأكبر وهو الأول، نكون بذلك قد حسمنا قدرًا كبيرًا من المشكلة؛ لأن عداوة الغرب متحققة ومستمرة بنص القرآن: (( ... وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونََكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا... ) ) [البقرة: 217] واستطاعتهم مرهونة بشرط؛ هو ضعفنا نحن، ولأن سنة الله الماضية أن أعداءنا لا يتمكنون منا إلا بضعف منا أو تقصير: (( ...وَإن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ) ) [آل عمران: 120] .
لذا علينا أن نعالج المستوى الداخلي، ونعطيه أولوية، دون إغفال علاج باقي التحديات.
د/مصطفى حلمي:
القضية ليست في الهوية، ولكنها في الأمة الإسلامية نفسها؛ لأن منظري الغرب عامة، والأمريكيين على وجه الخصوص، يعلمون أن الإسلام هو (البديل الحضاري) القوي، الذي يمكنه دون غيره أن يملأ الفراغ الذي تعانيه الحضارة الغربية اليوم، بخلاف الأطروحة الصينية أو اليابانية، التي لا تقدم نموذجًا متكاملًا للحضارة.
هذه الحقيقة ملموسة رغم أنها تغيب عن كثير منّا، وقد اعترف بها غير واحد من باحثيهم، على سبيل المثال: (هانتنجتون) ، و (أرنولد توينبي) الذي توقع قدوم الإسلام، لعمق شعوره بأزمة الحضارة الغربية؛ حيث قال: (هناك مناسبتان تاريخيتان، أثبت الإسلام فيهما، أنه يستطيع أن يقود العالم: الأولى: على أيام النبي(صلى الله عليه وسلم) والخلافة الراشدة، والثانية: في الحروب الصليبية، عندما قام صلاح الدين بقيادة الأمة على أساس الإسلام)، وله نبوءة مستقبلية إذا حدث تغيرٌ على المسرح العالمي، فيقول: (سيعود الإسلام ليؤدي دوره من جديد، وأرجو ألا أرى ذلك اليوم) لذلك لا نعجب من إعلان حلف شمال الأطلسي: أن الخطر القادم هو الإسلام، ومن هنا يتضح أن الأمة مستهدفة لذاتها ولدينها.
أ/جمال سلطان:
الأمة الإسلامية هي التي تمتلك البديل الحضاري المتكامل والمتميز: ذات عقيدة صحيحة متوافقة مع الفطرة والكون.. كتاب محفوظ، وهي خصيصة لا مثيل لها عبر الزمان والمكان، وهي بالغة الأهمية، لدينا عمق حضاري بصورة مدهشة، والعجيب أن الأوربيين يدركون أكثر منا قدرالإمكانيات الحضارية للتراث الإسلامي!
د/جمال عبد الهادي:
بالنسبة للحضارة فأرى أن (الحضارة الإسلامية) هي التي يمكن أن نطلق عليها مصطلح: (الحضارة) ، بالمعنى الدقيق لهذا المصطلح؛ لأن الحضارة الغربية لا تُعتبر كذلك، وإنما نطلق عليها هذا اللفظ تجوّزًا؛ لما لديها من تقدم صناعي وتقني حديث، وإلا فإن مفهوم الحضارة يرمي إلى ما هو أبعد من التقدم التقني، يرمي إلى القيم التي تحكم الإنسان.
وإذا ما نظرنا إلى المشروع الغربي، وما ينبني عليه من تصوره لـ (حقائق الكون) ، و (الحياة) ، و (نظرته إلى الغير) ، بل وإلى (تعريفه لنفسه) وما يتفرع عن هذا التصور من قيم وأخلاق، فلا يمكن بحال أن نعتبر هذا المسخ الإنساني حضارة، وهم هناك يدركون مدى ما هم فيه من أزمة.
أ/جمال سلطان:
الجانب الحضاري له أهمية خاصة ومؤكدة في الحفاظ على الهوية؛ لأن العدو استطاع من خلال غزوه الحضاري لبلادنا أن يوجد نخبة ذات تبعية أمكن عن طريقها تعبيد النفوس لكل ما يقول، ابتداءً بالدين، وانتهاءً بمظهر اللباس وأسلوب الطعام والشراب، بعد أن نجح في تأهيله نفسيًا في أن يتقبل منه كل ما يقول.