فهرس الكتاب

الصفحة 396 من 719

فإذا تحققت هذه الشروط في أي نوع من اللباس كان مباحًا، فالجاكيت الأصل فيه أنه مباح، والقول بتحريمه لمشابهة الكفار لا يمكن الجزم به، لأنه لا مانع من أن يكون -أصلًا- من زي المسلمين، فقد قيل إن أصلها من لبس الأتراك وهم مسلمون، فيكون من نوع الزي الذي يفعلونه هم أيضًا.

قال ابن تيمية -رحمه الله- وهو يتحدث عن ضوابط مشابهة الكفار: النوع الثاني: ما ليس في الأصل مأخوذًا عنهم، لكنهم يفعلونه أيضًا، فهذا ليس فيه محذور المشابهة، ولكن قد يفوت فيه منفعة المخالفة، فتتوقف كراهة ذلك وتحريمه على دليل شرعي وراء كونه من مشابهتهم، إذ ليس كوننا تشبهنا بهم أولى من كونهم تشبهوا بنا.

والله أعلم.

أما ربطة العنق:

"فأصل نشأتها بأوربا، ويقال إنها كانت في الأصل رمزًا لطاعة الزوج لزوجته، ثم أخذت في التهذيب إلى ما هي عليه الآن، وقد صارت عادة لدى كثير من المسلمين، وخرجت عن حد الخصوصية بالكفار وعن التشبه بهم إلا إذا لبسها المرء لا يلبسها إلا لأن الغرب يلبسونها فعندئذ يدخل هذا في قول النبي صلى الله عليه وسلم:"ومن تشبه بقوم فهو منهم"رواه أحمد وأبو داود. على أن الأولى للمسلم تركها على كل حال."

ويحرم على المرأة لبسها، لما فيه من التشبه بالرجل، وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المرأة المتشبهة بالرجال، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:"لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال"رواه البخاري.

وقيل لعائشة إن امرأة تلبس النعل، فقالت: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجلة من النساء"رواه أبو داود، والمراد بالنعل في هذا الحديث: النعل التي تشبه نعل الرجال."

أما ضوابط ثوب الشهرة:

فقد جاء النهي عن لباس الشهرة في عدة أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، منها: عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من لبس ثوب شهرة في الدنيا، ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة"رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، والنسائي، ورجال إسناده ثقات كما قال الشوكاني في نيل الأوطار.

وعن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ما من عبد لبس ثوب شهرة إلا أعرض الله عنه حتى ينزعه، وإن كان عنده حبيبًا". قال الحافظ العراقي في تخريج الإحياء: رواه ابن ماجه من حديث أبي ذر بإسناد جيد، دون قوله:"وإن كان عنده حبيبًا". وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من لبس ثوب شهرة ألبسه الله يوم القيامة ثوب مذلة، ثم يلهب فيه النار"أخرجه أبو داود، وابن ماجه، وحسنه السيوطي، والألباني. إلى غير ذلك من الأحاديث.

ومعنى الشهرة كما قال ابن الأثير: ظهور الشيء، والمراد أن ثوبه يشتهر به بين الناس لمخالفة لونه لألوان ثيابهم، فيرفع الناس إليه أبصارهم، ويختال عليهم بالعجب والتكبر. وقوله"ثوب مذلة"أي: ثوبًا يوجب ذلته يوم القيامة.

إذًا: فالأحاديث تدل على تحريم لباس ثوب الشهرة، وليس هذا مختصًا بنفس الثياب بل قد يحصل ذلك كما قال الشوكاني لمن يلبس ثوبًا يخالف ملبوس الناس من الفقراء، ليراه الناس، فيتعجبوا من لباسه ويعتقدوه. وإذا كان اللبس لقصد الاشتهار في الناس، فلا فرق بين رفيع الثياب ووضيعها والموافق لملبوس الناس والمخالف، لأن التحريم يدور مع الاشتهار، والمعتبر القصد، وإن لم يطابق الواقع.

وعلى هذا فالواجب على المسلم أن يبتعد عن اللباس الذي يميزه عن غيره من الناس، لأن هذا التميز قد يؤدي به إلى العجب، والتكبر، والخيلاء.

والواجب على المسلم أيضًا أن يبحث عن اللباس الموافق لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث كان الرسول متواضعًا في ملبسه بعيدًا عن الخيلاء، وقد قال:"كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا ،في غير إسراف ولا مخيلة"أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه، والحاكم.. وصححه السيوطي. وقال:"البذاذة من الإيمان"، أخرجه أحمد وابن ماجه والحاكم،وصححه السيوطي.

ومعنى البذاذة: رثاثة الهيئة، أراد بذلك التواضع في اللباس وترك التبجح به.

وأما بالنسبة لسؤالك عن الألوان التي يحرم أو يكره على الرجال لبسها؟

فالأصل أنه يجوز للرجل لبس جميع الألوان إلا ما ورد النهي عنه، فإنه يحرم أو يكره بحسب الحال، فيجوز للرجل أن يلبس الأسود، والأخضر، والأصفر، والأزرق، وما نسج من قطن أو كتان وغير ذلك إلا الحرير، ويستحب لبس الأبيض من الثياب للحديث:"البسوا من ثيابكم البياض، فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها أمواتكم"أخرجه أبو داود.

وأما الثوب المعصفر، ( المصبوغ بالعصفر ) فقد اختلف العلماء في حكم لبسه، فمنهم من قال بتحريمه، ومنهم من قال بكراهيته، ومنهم من قال بجوازه،

وقد جاء النهي عن لبس المعصفر في صحيح مسلم وغيره.

فعن عبد الله بن عمرو قال: رأى رسول الله عليَّ ثوبين معصفرين فقال:"إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها". وعن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس القسي و المعصفر"قال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم: واختلف العلماء في الثياب المعصفرة وهي المصبوغة بالعصفر، فأباحها جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، . وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة ومالك لكنه قال: غيرها أفضل منها، وفي رواية عنه أنه أجاز لبسها في البيوت وأفنية الدور، وكرهه في المحافل والأسواق، ونحوها."

وقال جماعة من العلماء: هو مكروه كراهة تنزيه، وحملوا النهي على هذا، لأنه ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لبس حلة حمراء، وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنه قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصبغ بالصفرة، وقال الخطابي: النهي منصرف إلى ما صبغ من الثياب بعد النسج، فأما ما صبغ غزله ثم نسج فليس بداخل في النهي. وحمل بعض العلماء النهي هنا على المحرم بالحج أو العمرة، ليكون موافقًا لحديث ابن عمر رضي الله عنه: نهى المحرم أن يلبس ثوبًا مسه ورس أو زعفران. … إلى آخر كلام النووي رحمه الله.

والحق أن العلماء قد اختلفوا أيضًا في لبس الثوب الأحمر اختلافًا كبيرًا أوصله الحافظ ابن حجر إلى سبعة أقوال. والراجح والله أعلم جواز لبس الأحمر والمعصفر، ولكن الأولى تركه، وبالله التوفيق.

انتهى الجواب

وتبقى تساؤلاتي ورسالتي لكل طبيب مسلم غالي فهو ثروة لا تقدر بثمن:

ألم يحن الوقت بعد للدفاع عن هويتنا المسلمة مظهرًا وجوهرًا ؟

ألم يحن الوقت لإعادة السمت المسلم ديدنًا في طرقات مستشفياتنا؟

ألم تحن اللحظة التي نغسل فيها ارتباطًا ظاهريًا بالغرب وعاداتهم ، لا يسمن ولايغني من جوع ، لكنه يحمل لمسة انهزامية في تقليدهم واتباعهم ؟

أهي حقًا معضلة أن تكون القمصان عارية من رباط عنق يخنق هويتنا ؟

أعلم يقينًا أن العمل الطبي بالزي التقليدي الخليجي قد يكون مرهقًا للبعض ( وإن كنت أرى كثيرًا من الأساتذة الأفاضل ، والزملاء الكرام يرتدونه دون أية صعوبة ) ولكن هذا لا يعني ضرورة وجود هذا الرباط الذي يشعرني بالحنق والاختناق وسط زجاجة هشة اسمها ( سيطرة غربية ) ؟

حقيقة أرجو أن تفهم رسالتي البسيطة من خلال هذه الأسطر القليلة وهي الحرص على التمسك بسمْتنا الإسلامي خاليًا من محاولات غربية لوأده.

وإني لأرجو من كل طبيب خليجي أن يراجع هذه المسألة في جدول اعماله، فعادة أُلفت لحين من الزمن ليس ضروريا أن نستمر فيها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت