فهرس الكتاب

الصفحة 515 من 719

العراق منذ القديم يشكل وحدة جغرافية سياسية واحدة من عهد حمورابي قبل الميلاد مرورا بعصر الخلفاء الراشدين والي الدولة الاموية ثم العباسية والتي دامت 800 عام وجاءت بعدها دول ودول مرورا بالدولة العثمانية وانتهاء بجمهورية العراق التي احتلها الغزاة عام 2003.

[ تقسيم العراق نموذجا في المنطقة العربية ، محمد صالح المسفر، القدس العربي 30/8/2005 ] .

أن العراق لم تكن به مشكلة في يوم ما فيما يتعلق بوجود نقص في موارده أو شحّة في ثرواته الأمر الذي يؤدي إلى الفتن والاقتتال كما يحصل في بعض الدول، بل إن محنته تتمحور بحق في طبيعة أنظمة الحكم التي أساءت استخدام مصادر السلطة والثروة بعيدًا عن كل ما يمت إلى مبادئ العدل والأنصاف بصلة، وافتقاره إلى مؤسسات مدنية رصينة كان آخرها النظام الشمولي السابق والذي حوّل العراق بشعبه وأرضه وثرواته إلى ممتلكات تعود إلى عائلته وأقطاعات توزّع على عشيرته فأساء بالنتيجة إلى نفسه ولكل العراقيين بمختلف مذاهبهم.

ولم تكن من أولويات مشاكل المجتمع تلك الفسيفساء المتجانسة من القوميات والأديان، كما لم يكن الإنسان العراقي- حينما يكون متحررًا من الاعتبارات الحزبية والعشائرية والنعرات الانفصالية- حسّاسًا تجاه التنوع العرقي أو الطائفي إذ طالما تعايش الجميع لمئات السنين تحت خيمة العراق الواحد، وتسنم مقاليد السلطة وتبّوء المناصب الرفيعة سواء في الإدارة أم في القضاء أفرادًا من قوميات مختلفة، ولم يكن ذلك مثار جدل أو مدعاة مشكلة.

وإذا كان الخطاب السياسي لمن كانوا يسمون أنفسهم مسبقًا بالمعارضة كان يستند على أساس رجم الحكم المستبد الدكتاتوري وإدانة ممارساته القمعية مما يستوجب الآن أن يعاد تفكيكه وتعاد صياغته لأن النظام السابق أصبح في ذمة التأريخ، كما وأن الظلم والاضطهاد الذي مارسه النظام السابق قد تم توزيعه بعدالة على جميع أطياف المجتمع العراقي بدون استثناء ويشهد قادة الأكراد أنفسهم بنزوح أعداد كبيرة من العوائل من مناطق الجنوب والوسط باتجاه الشمال هربًا من بطش الأجهزة القمعية للنظام السابق، أي أن الموقف من المعارضين لم يكن في الجنوب أقل منه وحشية عما هو في الشمال أو الوسط.لهذا يجب على القوى الوطنية العراقية الالتفات إلى مستقبل العراق من منطلق الحفاظ على هويته وبلورة ثوابته وعدم السماح بجني مكاسب يتم الحصول عليها في عراق محتل ،وأن لا تكون الفيدرالية والمطالبة بمدينة كركوك الغنية بالنفط وترحيل العرب منها أساس للمساومة لأن من شأن ذلك الأضرار بالمصلحة النهائية للعراق الواحد الذي يتطلب الآن مقارعة العصبية القبلية أو التطرف الديني والطائفية والعنصرية والنزاعات الانفصالية التي تقف وراءها أطراف عديدة وإنما يجب إلغاؤها من قاموسه .

لم يكن العراق ليصل إلى هذا المفترق الخطير لولا الديكتاتورية التي أدت إلى الاحتلال، ولولا أن المشاعر الدينية طغت على الشعور الوطني المشترك، ولولا أن استشراء التعصب الطائفي لمتهوري السنة والشيعة دمّر إمكان التوحد بعدما أعلى شأن الماضي على المستقبل ، واستمد زاده الفكري من تواريخ التفرقة بدل الوحدة ، لذلك فإن العراق اليوم أمام تحدٍ كبير يحاول عقلنة النزعات الطائفية السنية والشيعية المتفجرة والقومية الكردية الناهضة من قمع تاريخي، لترويضها جميعًا في إطار ولاء عراقي يصعب أن نسميه هوية جامعة بل مجموعة قوانين وتوجهات ذات مرجعية ثقافية وتاريخية مشتركة وذات مضمون تعددي حضاري ولا نجد معينًا على ذلك أفضل من ( الاسلام ) بمفهومه الواسع مظلة لاستيعاب الجميع . هذا هو تحدي العراقيين، إنه تشكيل هوية جديدة ليست عربية خالصة ولا عراقية خالصة ولا مذهبية خالصة ، إنها خلاصة تأخذ من كل شيء بطرف، بل إنها تسوية حول هوية جديدة لا تزال بحاجة إلى تحديد ، يكون منطلقها دين الله العالمي والخاتم لسائر الاديان الا وهو الاسلام بسماحته وعدله .

تنبيه: هذا الكلام لا يتعارض مع الأحتفاظ بالخصوصية المذهبية ، أو معقد الولاء والبراء في العقيدة الاسلامية .

إذا كانت الفيدرالية أرقى نظام سياسي تم التوصل إليه في العالم حتى اليوم، فإنها فيما يعني العراق تبدو مدخلًا إلى أسوأ التطورات التي واجهها شعب من الشعوب. ذلك أن العراق الواقع تحت الاحتلال الأمريكي من جهة، والساقط في قبضة الإرهاب من جهة أخرى يجد نفسه، رغم الجهود الجبارة التي تبذلها قواه السياسية الرئيسة، فريسة رغبة جامحة تتمثل بالديمقراطية القسرية عبر تنظيم فيدرالية تشكل صيغة للتعايش بين فئات المجتمع الرئيسة؛ أي الأكراد والسنة العرب والشيعة وهي في جوهرها تفتيت أو تقسيم أو اضعاف للبلد الواحد .

في ظل هذا الوضع يعاني العراق مأساة يومية يدخل العنف الانتحاري والتفجير العشوائي بين المدنيين فيها عاملًا غامضًا في الحسابات السياسية النهائية لطرفي المعادلة. ذلك أن اختباءه خلف عناوين المقاومة، ونزعته التكفيرية، واستهدافه الشيعة بالقتل تجعل منه عنصرًا مشجعًا للطرف المتعصب للفيدرالية، فينزع إلى مزيد من التجزئة تحت ستار"الوحدة الممكنة"واستحالة استعادة التعايش السابق!

[ وانظر: العراق الجديد... هوية تحتاج إلى تحديد ، الكاتب: بشارة نصار شربل ، ( 1-3 ) بتصرف ، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية ] .

هذا وان كنا نجزم بأن كثيرًا من هذه العمليات انما تقوم بها ( مخابرات الدول الشيطانية ) بالتنسيق - ربما - مع حفنة من الشذّاذ والمرتزقة !

ما المطلوب لإبقاء العراق موحدا؟

الجواب ببساطة يتركز في شقين: الاول، جعل وحدة العراق مصلحة للجميع. والثاني، اتفاق اطرافه ومكوناته على مشروع وطني. اذ لا يكفي ان نضع الضوابط الدستورية ضد الانفصال، بل الاهم ان يشعر الكردي ان مصلحته هي البقاء ضمن العراق، وان يكون هناك قبول وتبنّ للمتغيرات السياسية الجديدة، حيث ان الذي جرى عند سقوط النظام في نيسان 2003، هو ان جزءا من العراق اختار المقاومة ورفض عمليا المشروع السياسي لارتباطه بالاحتلال ، في حين ان اجزاء العراق الاخرى فضلت الدخول في اللعبة السياسية في سباق محموم على المكاسب السياسية يسمونها ( استحقاقات وطنية ) !

ان من يقولون بالفيدرالية ويسبّبون ذلك بالمشكل الامني، يريدون ان يحصروا خيار العنف وتبعاته بمن تبناه، وان تنأى المناطق التي فضلت السلم بنفسها عن ذلك لتشرع في التنمية، كما هو جار في اقليم كردستان، اذ الى متى تظل البصرة مثلا التي تنتج 80% من نفط العراق المصدر، وتلتقي عندها انهره وهي عطشى لماء صالح للشرب، والبصرة رئة العراق البحرية الوحيدة مصابة بذات الرئة بسبب الفقر والحرمان !

لذا، فإن الذين يرفضون الفدراليات يجب ان لا يكتفوا بالرفض، اذ يكفي اضاعة سنتين ونصف السنة من عمر العراق وثرواته ودماء ابنائه. ان من يتصدى ويدعي تمثيل من قاطعوا الانتخابات عليه ان يكون كذلك على الارض وليس في الفضائيات وكواليس المساومات السياسية .

[ فدرالية العراق: حل سياسي أم مأزق دستوري ، جريدة الشرق الأوسط ، الاحد 16 رجب 1426 هـ 21 اغسطس 2005 العدد 9763 ، بتصرف ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت