فهرس الكتاب

الصفحة 540 من 719

عن ابن عباس أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابا له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، فقالوا: يا نبي الله كنا في عزة ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة قال: (إني أمرت بالعفو، فلا تقاتلوا القوم، فلما حوله الله إلى المدينة أمره بالقتال فكفوا، فأنزل الله(( ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم ) )الآية. ورواه النسائي كبرى 11112 والحاكم 2307 وابن مردويه من حديث علي بن الحسن بن شقيق به" [تفسير القرآن العظيم (2/349) تحقيق سامي بن محمد السلامة، دار طيبة] "

وفي هذا درس للمسلمين الذين يستوطنون البلدان الغربية، فإن وضعهم يشبه وضع المسلمين عندما كانوا في مكة، لأن أهل الحل والعقد والمالكين للقوة المادية الشاملة هم غير المسلمين، فقيام بعض المسلمين [وهم قلة مستضعفة] بالهجوم على أهل البلد، قتالا أو اغتيالا أو تخريبا لمؤسسات، تترتب عليه مفاسد يصعب حصرها، وما قد يظن فيه من مصلحة لا يسوغ الإقدام عليه، لأن مصلحته ضئيلة جدا بجانب المفاسد المترتبة عليه.

فقد سوغ ما حصل في 11 سبتمبر في نيويورك وواشنطن، لليهود والصليبيين التعجيل بعدوانهم على المسلمين الموجودين في الغرب [إن ثبت أن بعض المسلمين قاموا به] وفي العالم الإسلامي كله، وبخاصة البلدان العربية، وبالأخص فلسطين وأفغانستان والعراق، وتخطيطهم الماكر للسيطرة على بقية دول المنطقة والعدوان على ثوابتها وإذلال أهلها، أمر غير خاف على من يتتبع تصريحاتهم، وما يخفون أشد.

[وإنما قلت:"التعجيل بعدوانهم"لأن العدوان كان مقررا قبل حدث سبتمبر بفترة طويلة، حيث تم لهم انهيار"العدو الأحمر"وهو الاتحاد السوفييتي بشيوعيته، فالتفتوا إلى عدو أقدم من الاتحاد السوفييتي، وهو ا"الإسلام"فسموه"العدو الأخضر"

ومما لا شك فيه أن لليهود أصابعهم الخفية في هذه الأحداث الخطيرة [أحداث سبتمبر وما تلاها]

وزاد إغراء العدوِّ على عدوانه، الهجمات التي حصلت على مؤسساته ومصالحه في بعض البلدان الإسلامية وغيرها، فلم يبق بلد من بلدان المسلمين وغيرهم، خليا من القوات الأمريكية ومخابراتها التي تتدخل في شئون دول تلك البلدان، وتكره حكوماتها على تنفيذ ما تريد.

ومن المفاسد التي ترتبت على ذلك ما يأتي:

المفسدة الأولى: احتلال بعض البلدان الإسلامية، وما ترتب عليه من إزهاق للأرواح، والاعتداء على الأعراض والنهب للأموال والاستيلاء على الخيرات والهدم للمؤسسات والقضاء على ما بقي من القوة العسكرية.

المفسدة الثانية: أسر شباب الأمة ورجالها، الذين تحتاج الأمة إلى استغلال طاقاتهم في مشروعات تعود عليها بالخير في ضرورات حياتها، وجميع مصالحها، والزج بهم في معسكراتهم الظالمة في غوانتنامو وغيرها، والمبالغة في إذلالهم و تعذيبهم...

ولو حصل الاهتمام بهذا الشباب وأعد إعدادا مناسبا في المجالات النافعة، من التفقه في الدين والدعوة إلى الله، والعمل في مؤسسات التعلم والتعليم والإعلام، والإغاثة الشاملة للمسلمين في كل أنحاء الأرض... ومنها القيام بالدعوة إلى الله باللغات الممكنة، وبالوسائل المتاحة التي هيأها الله تعالى، في هذا العصر، كما هو معلوم.

ومن ذلك إدماج كثير منهم في جيوش شعوبهم ودربوا تدريبا عاليا على أنواع السلاح، ليكونوا عونا لها على الدفاع عن أرض المسلمين ومقدساتهم...

أقول: لو حصل ذلك لكان لهذا الشباب شأنه العظيم في عزة هذه الأمة ونجدتها وبناء نهضتها...

المفسد الثالثة: محاربة الاقتصاد الإسلامي، المتمثل في إغلاق البنوك والمصارف الإسلامية، وتجميد أموا الناس فيها....بحجة أنها تمول الإرهاب.

المفسدة الرابعة: التضييق على المؤسسات الخيرية وتجميد أموالها، بل حظر نشاطها، وحرمان الفقراء والمساكين، والمرضى والأئمة والمؤذنين، والمدارس والدعاة الذين يبينون للناس حقائق الإسلام.

المفسدة الخامسة: التدخل السافر في مناهج التعليم في البلدان الإسلامية، إذ يراد لها أن تخلو من كل ما يُفَقِّه الأجيالَ المسلمة، بوسائل قوتها وعزتها، وأسباب ضعفها وذلتها، ويربطها بكتاب ربها وسنة نبيها، ويظهر لها سيرة أئمة الهدى من سلفها من الصحابة ومن تبعهم بإحسان، ويجعلها على علم بأوليائها من عباد الله المؤمنين، وأعدائها من اليهود والصليبيين.

ويبقيها ذات غيرة على ضرورات حياتها، فتبذل كل ما تملك من غال ونفيس لحفظ نفسها و دينها وعرضها ومالها وعقلها، ويبقيها متمسكة بأخوتها وأواصر وحدتها، واضعة أمام أعينها خريطة أرضها التي يجب عليها حمايتها، من جاكرتا شرقا إلى نواكشوط غربا، ومن عدن جنوبا إلى البلدان الإسلامية في آسيا الوسطى شمالا.

ويغرس في نفوسها الشهامة والنجدة التي تدفعها إلى حفظ الأرض المباركة، وثالث مساجدها"الأقصى"الذي دنسه اليهود واليهوديات ردهاته وسطوحه جميع جوانبه، بأقدامهم القذرة، وأهانوا أئمته وعلماءه، حرموا خيرة شباب الأمة المسلمة من ارتياده وهم يشاهدون مآذنه ويسمعون نداء مؤذنه...

المفسدة السادسة: عزم الأمريكان على إنشاء قواعد عسكرية في البلدان الإسلامية ذات التاريخ العريق، في"كابل"و"بغداد"و"دمشق"وفي بلدان آسيا الوسطى، بل في بعض بلدان الجزيرة العربية... إضافة إلى القواعد التي أقاموها ولا زالوا يقيمونها في بعض البلدان الإفريقية، ليتمكنوا من السيطرة الكاملة على بلدان المسلمين، من حدود الصين شرقا، إلى موريتانيا غربا، مع العلم أن كثيرا من قادة الجيوش الأمريكية وجنودها هم من اليهود...

المفسدة السابعة: تمزيق البلدان الإسلامية وتجزئتها، وجعل الدولة الواحدة دويلات، والدويلة الصغيرة أحياء، وإيقاد نار العداوة والبغضاء بين أبناء البلد الواحد، ليمزقهم التنازع ويجعل بعضهم يصوب رصاصه إلى صدور بعض، ليخلو لهم الجو فيتصرفون في شئون الأمة بعد إضعافها كما يريدون

المفسدة الثامنة: القضاء على الحركات الجهادية، وبخاصة في الأرض المباركة، بحشد الدول الغربية، وبخاصة أمريكا والدول الأوربية وغيرها، و من العملاء في فلسطين وغيرها من"!"ويترتب على القضاء على الحركة الجهادية استتباب الأمن لليهود وتفرغهم لإحداث القلاقل والاضطرابات في البلدان الإسلامية، وبخاصة العربية منها.

المفسدة التاسعة: تقوية اليهود وتثبيت دولتهم وتوسيعها، بحيث تصل حدودها إلى النيل والفرات، وهذه المفسدة مترتبة على المفسدتين السابقتين، لأن إضعاف المسلمين والقضاء على الحركة الجهادية التي لا يوجد لها بديل يشغل اليهود، من أعظم الوسائل لتقوية اليهود، وهذه المفسدة لا تتم إلا بتغير شامل لخارطة المنطقة، ومن أولاها طرد من بقي من الفلسطينيين من الأرض المباركة إلى خارج أرضهم.

وقادة اليهود يصرحون اليوم في كتبهم وأبحاثهم بالخطوة الأولى لهذا الطرد، وهي طرد الفلسطينيين إلى الأردن، كما صرح بذلك رئيس وزرائهم الأسبق نتنياهو في كتابه:"بلدة تحت الشمس"...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت