فهرس الكتاب
فليست"القدرة الشرعية"هي مجرد القدرة على الفعل، لأن مجرد القدرة على الفعل، قد يترتب عليه تفويت مصالح أعظم من مصلحة الفعل، أو حصول مفاسد أعظم من المفسدة التي تحققت بالفعل، وهذا يجعل الفعل محظورا في الشرع، وتكون القدرة عليه غير شرعية في الحقيقة.
فقد كان المسلمون في مكة قادرين ـ من حيث مجرد الفعل ـ على رد عدوان المشركين عليهم، بالمقاتلة والاغتيالات ونحوها، ولكنهم لو فعلوا ذلك لترتب على فعلهم من المفاسد ما لا يحصى، ومن ذلك على سبيل المثال:
1-وجود مجازر في كل حي وفي كل منزل من أحياء مكة ومنازلها، لأن المسلمين كانوا - مع قلتهم - مختلطين بأقاربهم وسادتهم، وقد يقف بجانب الرسول صلى الله عليه وسلم بعض عشيرته، فتقوم معارك بينهم وبين بقية القبائل القرشية، فيصبح القتال والأخذ بالثأر، هو شغل أهل مكة الشاغل، وستتوقف الدعوة...
وفي ذلك تنفير للناس من دعوة غريبة محاربة، بزغ ضياء شمسها في الأفق، إذ سيقول أعداؤها - إضافة إلى ما اتهموها به واتهموا به رسولها وأصحابه: إنها دعوة حرب وعنف وسفك دماء، وفي ذلك ما فيه من التنفير عن هذه الدعوة.
2-القضاء على الدعوة الإسلامية العالمية في مهدها، بالقضاء على العصبة المؤمنة القليلة العدد، الفاقدة القوة، بين الكثرة الكاثرة من المشركين، الذين يملكون مع كثرة عددهم القوة التي تتيح لهم استئصال المسلمين.
ومعلوم أن لله تعالى سننا شرعية مربوطة بسنن كونية طبيعة، فمن سننه الشرعية الجهاد في سبيل الله، ومن سننه الكونية الطبيعة التي يرتبط بها الجهاد، وجود القدرة، وهي تتمثل في العدد المكافئ من المجاهدين، وفي العُدَّة المؤهِّلة للقيام بالجهاد.
ولهذا كان للعدد وللعدة اعتبارهما في حكم الجهاد، كما قال تعالى في العدد: (( ياأيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون(65) الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين )) (66) [الأنفال]
وكان للقوة اعتبارها كذلك، كما قال تعالى: (( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وءاخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون ) ) [الأنفال (60) ]
فإذا قل عدد المسلمين أمام عدوهم قلة تتيح للعدو استئصالهم، سقط عنهم جهاده مؤقتا، حتى يكون عددهم مناسبا لتكليفهم بقتاله، وإذا لم تكن عُدَّتهم مناسبة لوقوفهم أمام عدته، سقط عنهم جهاده حتى يعدوا له العدة التي تتيح لهم الوقوف أمامه.
ولهذا شرع الله لهم التحيز إلى فئة منهم كما قال تعالى: (( ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ) ) [الأنفال (16) ]
ولا يشترط أن تكون الفئة التي يتحيز إليها المجاهدون المسلمون قريبة منهم في أرض المعركة، بل قد تكون فئتهم الإمام الأعظم ومن معه من مسلمين، ولو بعدوا عن أرض المعركة.
كما في عبد الله بن عمر قال:"كنت في سرية من سرايا رسول الله ، فحاص الناس حيصة وكنت فيمن حاص، فقلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب؟ ثم قلنا: لو دخلنا المدينة فبتنا، ثم قلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله ، فإن كانت له توبة وإلا ذهبنا، فأتيناه قبل صلاة الغداة، فخرج فقال: (من القوم) ؟ قال فقلنا: نحن الفرارون. قال: (لا بل أنتم العكارون، أنا فئتكم وأنا فئة المسلمين) قال فأتيناه حتى قبلنا يده" [مسند الإمام أحمد، برقم (5384) وسنن أبي داود، برقم (2647) وسنن الترمذي، يرقم (1716) وحسنه.ومعنى"العكارون: العطافون"]
[يراجع تفسير الآيتين في كتب التفسير، ومنها"تفسير القرآن العظيم"لابن كثير (4/27) دار طيبة للنشر والتوزيع)]
وقد كان بعض الصحابة يتحرقون شوقا إلى مجاهدة المشركين الذين اشتد أذاهم عليهم، فلم يأذن الله تعالى لهم بالقتال، وهو العليم الحكيم.
قال تعالى: (( ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا [النساء(77) ]
قال ابن كثير رحمه الله في تفسير الآية:"كان المؤمنون في ابتداء الإسلام وهم بمكة مأمورين بالصلاة والزكاة وكانوا مأمورين بالصفح والعفو عن المشركين والصبر إلى حين، وكانوا يتحرقون ويودون لو أمروا بالقتال ليشتفوا من أعدائهم."
ولم يكن الحال إذ ذاك مناسبا لأسباب كثيرة، منها قلة عددهم بالنسبة إلى كثرة عدد عدوهم ومنها كونهم كانوا في بلدهم وهو بلد حرام وأشرف بقاع الأرض، فلم يكن الأمر بالقتال فيه ابتداء كما يقال، فلهذا لم يؤمر بالجهاد إلا بالمدينة لما صارت لهم دار ومنعة وأنصار.
عن ابن عباس أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابا له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، فقالوا: يا نبي الله كنا في عزة ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة قال: (إني أمرت بالعفو، فلا تقاتلوا القوم، فلما حوله الله إلى المدينة أمره بالقتال فكفوا، فأنزل الله(( ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم ) )الآية. ورواه النسائي كبرى 11112 والحاكم 2307 وابن مردويه من حديث علي بن الحسن بن شقيق به" [تفسير القرآن العظيم (2/349) تحقيق سامي بن محمد السلامة، دار طيبة] "
فكانت مصلحة الإسلام والمسلمين العليا آنذاك، في الكف عن القتال، وكانت مصلحة قتالهم للمشركين دفاعا عن أنفسهم، مغمورة مهدرة شرعا، وكانت المفسدة المترتبة على القتال، أعظم من مفسدة الأذى الذي أمرهم الله تعالى بالصبر عليه.
وفي هذا دلالة واضحة على عدم اعتبار مجرد القدرة على الفعل، إذا غلب على الظن فوات أعظم المصلحتين، أو جلب أكبر المفسدتين.
3-وكان سيترتب على القتال بين المؤمنين والمشركين في مكة، عدم تعاطف الآخرين مع المسلمين، مثل نجاشي الحبشة، وقبائل الأوس والخزرج في المدينة، لأنهم سينظرون إلى المسلمين وهم قلة مستضعفة غير معترف بها، أنهم مغامرون يستخدمون العنف مع السلطة الشرعية، لإكراه الناس على الدخول في دينهم الذي لم يتبين لهم بعدُ أنه حق، وأنهم لو أذن لهم بالهجرة إلى تلك البلدان، لفعلوا فيها ما فعلوا في مكة، ومعلوم هو الأثر العظيم الذي ترتب على الهجرتين.
وقد يقول قائل: إن تلك الفترة كانت فترة مكية، ولسنا الآن في مثل تلك الفترة، لأن لنا بلداننا الخاصة ودولنا وأموالنا وجيوشنا...
والجواب: أن المرحلة المكية هي إحدى مراحل الدعوة التي قد تكرر في بعض البلدان، حيث يكون المسلمون فيها أقلية ضعفاء تحت دولة كافرة قوية، لا يستطيعون أن يظهروا دينهم ولو في حده الأدنى، ولا يستطيعون الدعوة إليه، كما كان الحال في الاتحاد السوفييتي قبل سقوطه، وفي الدول التي سارت في فلكه، كالصين وألبانيا ونحوها.
ولا زالت بعض المناطق في الصين ينال فيها المسلمون"في بلدهم المحتل"أشد أنواع القهر والإذلال، كما هو الحال في"التركستان الشرقية"وكذلك في"بورما".
وغالب بلدان المسلمين التي ظاهرها الاستقلال بحكوماتها وحدودها، أصبحت في هذا الزمن شبيهة بالأسرى لدى الدول القوية التي تملك ما ترهب به غيرها، وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية.