فهرس الكتاب

الصفحة 620 من 719

فإنّ من أشنع الأقوال الضالّة ، والبدع التي هي على أبواب جهنم دالّة ، القول بأن إمامة الكافر أو من يولّيه الكفار ، على المسلمين صحيحة ، وأنّ جهاد الكافر المحتل لبلاد الإسلام باطل ، فقائل هذا القول جمع بين أعظم سببين لإفساد الدين ، وإضلال المسلمين .

فهو بتصحيحه ولاية الكافر ، أو من يتولى بأمرهم ويحكم به ـ مع أنه حينئذ يكون مثلهم ـ قد دعا إلى إفساد الأحكام الشرعيّة جملة وتفصيلا ، وبتحريمه الجهاد لإخراج الكفرة المحتلين دعا إلى إخضاع أمة الإسلام إلى عدوّها ، ممعنا فيها إفسادا و تضليلا ، والساكت عن إنكار ضلاله شيطان أخرس ، فإن كان مع ذلك يرتقي منصبا دينيا فهو أعظم ملبّس ، ممّن بدل دين الله تبديلا ، نسأل الله تعالى العافية من سبل الردى ، ومضلات الفتن ، واتباع الهوى .

هذا والعجب أن هؤلاء المفتين لم يستحوا من الله ولا من المسلمين ، وهم يقومون ، بادية سوءاتهم أمام العالمين ، بأداء الدور المطلوب منهم أمريكيا ، في ضمن متطلبات المشروع الصليبي للمحافظين الجدد ، لفرض عقيدة وشريعة غربيّة ، تجمعان بين الروح الصليبية ، والأهداف الصهيونية ، والثقافة اللادينية العلمانية .

نسال الله أن يبطل سعيهم الخبيث في بلاد المسلمين ويرد كيدهم في نحورهم ، وكيد هؤلاء الملبّسين على المسلمين دينهم ، الذين اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا ، ممن يصدق عليهم قوله تعالى:"مثل الذين حمّلوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا".

وهذا بحول الله رد على ضلالاتهم الشنيعة ، وذلك:

أولا: ببيان من هو وليّ الأمر الشرعي .

ثانيا: بالرد على شبهة الاستدلال بولاية نبي الله يوسف عليه السلام .

ثالثا: بالرد على شبهة اشتراط الإمام للجهاد أو إذنه إن عطّله أو كان جهاد دفع .

رابعا: بالرد على شبهة اشتراط الراية في الجهاد.

ثم خاتمة جامعة نافعة في التحذير من الركون إلى الكفار وتهوين أمر الدخول في ولاءهم .

فنقول وبالله التوفيق:

أولا:

وليّ أمر المسلمين الذي تجب طاعته هو الذي يتولّى أمر دين المسلمين، لأنّ هذا هو أمر المسلمين ، فليس لهم أمر غير دينهم ، فبه صاروا أمة ، وبه تحققت شخصيتهم الحضاريّة ، وبه وُجد كيانهم السياسي ، أمّا من يتولّى أمرا آخر ، كالذي يحكم بالنظام الدستوري العلماني أيّا كان: ديمقراطيا ليبراليا غربيا زائفا ، أو قوميا إشتراكيا شموليا ، أو عشائريا جاهليا يخلط بين الشريعة والجاهلية ، أو غير ذلك ـ سوى النظام الإسلامي المتحاكم إلى شريعة الله تعالى ـ فهو وليّ أمر ما تولاّه ، ليس هو وليّ أمر المسلمين ، وهو ممن يصدق عليه قوله تعالى"ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا".

فكيف يُولّى أمر أمّة الإسلام ، وقد تولّى أمر غيرها ؟!!

ولهذا وردت النصوص الآمرة بطاعة ولاة الأمر، مقيّدة بقيد إقامة الدين ، كما في حديث"إنْ أُمّر عليكم عبد مجدع يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا"رواه مسلم ،والحديث الثاني"إنّ هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد إلا كبّه الله في النار على وجهه، ما أقاموا الدين"رواه البخاري.

فذكر أن الحكم بكتاب الله ، أي تحكيم الشريعة ، وإقامة الدين كذلك ، شرط في صحة ولايتهم التي توجب طاعتهم .

ولهذا فقد أجمع العلماء على شرط الإسلام في الإمام ، عملا بقوله تعالى"ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا"، وبالنصوص الكثيرة في القرآن والسنة التي تحرم ولاية المسلم للكافر ، وأي ولاية أعظم من نصبه حاكما على المسلمين ؟!!

وفي الحديث المتفق عليه من حديث عبادة بن الصامت:"وألا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان". فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج بالقوّة ، على الحاكم إن أظهر الكفر .

قال الإمام ابن المنذر رحمه الله:"أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم أن الكافر لا ولاية له على مسلم بحال"أحكام أهل الذمة 2/ 414

وقال القاضي عياض رحمه الله:"أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر ، وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر وتغيير للشرع ، أو بدعة ، خرج عن حم الولاية ، وسقطت عدالته ، ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك ، فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة ، وجب عليهم القيام بخلع الكافر"شرح النووي على صحيح مسلم 12/229 ، والظاهر أن قصده بدعة مكفرة من جنس تبديل الشرع .

ومن النصوص التي دلت على ما تقدم ، وحديث ابن مسعود"سيلي أموركم بعدي رجال يطفئون السنة ، ويعلمون بالبدعة ، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها ، فقلت: يا رسول الله إن ادر كتهم كيف أفعل ؟ قال: تسألني يا ابن أم بعد ماذا تفعل ؟! لا طاعة لمن عصى الله"رواه أحمد ، وابن ماجه ، والبيهقي ، الطبراني في الكبير وإسناده على شرط مسلم

إذا تبيّن هذا ، فإنه من المعلوم ، أن حكومة الاحتلال في العراق ، حكومة عميلة ، نصبها محتل صليبيّ ، وألزمها بأن تُهيئ نظاما ليُحكم العراق بالنظام العلماني ، الذي يدعو إلى أن يعبد كلّ عابد ألهه ، وإلى أن يتخذ كلّ هواه إلها ، وهي حكومة تؤمن بفصل الدين عن الحياة ، وحقّ الناس أن يشرعوا ماشاؤوا ـ إلا ما يغضب سادتهم الأمريكيون ـ فمهمة هذه الحكومة الأهمّ ، هي أن تحول بين شريعة الله تعالى وأن تحكم العراق ، وبين أهل الجهاد وان يقيموا في الأرض دين الإسلام ، فمن يصحح ولاية مثل هذه الحكومة داعيا إلى طاعتها ، منسلخ عن الدين ، مرتكس في النفاق معدود في المنافقين .

ثانيا:

استدلال المستدل بقصة نبي الله يوسف عليه السلام ، على صحة ولاية من يوليه المحتل لأرض المسلمين ،استدلال منكوس ، فيوسف عليه السلام نبيّ مسلم ، لايحكم بغير شريعة الله ، وهو القائل لصاحبي السجن"إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لايعلمون"، قد مكّنه الله تعالى على قوم كفار ، في بلد أهله كفار ، فحقق بولايته علو الإسلام بأحكامه على بلاد كافرة .

وأما حكومة الإحتلال الحاكمة بأحكام الكفار ، الموالية لهم ، فهي حكومة كافرة تتولى على قوم مسلمين ، وتحقق علوّ أحكام الطاغوت في بلاد الإسلام ، فالعجب والله من هذا الاستدلال المنكوس .

ثم إن الله تعالى ، قد قال عن يوسف عليه السلام: ( وكذلك مكنّا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين ) .

فالآية تبيّن أن الله تعالى مكّن له في الأرض ، فله اليد العليا فيما تحت يده ، بتمكين الله تعالى ، لا بغيره ، ليحكم بالشرع والعدل والإحسان ، وأن هذا التمكين رحمة من الله ، وأنه كان في ذلك من المحسنين.

فأين هذا من حكومة احتلال ، يستخدمها الصليبيون والصهاينة ، لتحارب المجاهدين الذين يجاهدون لطرد المحتل من بلادهم ، فهي حكومة جاءت لتقيم أحكام الطاغوت ، وهي في عملها تسعى في بلاد الإسلام سعي الكافرين الظالمين ، ومعلوم أنّ هذه الحكومات التي ينصبها المحتل في العادة ، دُمية لم يُمكّن لها المحتل، وإنما يستعملها ليمتطى ظهرها ، ليحقق بها أهداف الكفار في بلاد الإسلام.

فلا ريب أن هذا المستدل بقصة يوسف ، من أجهل الناس ، وأغلظهم فهما ، وأشنعهم ضررا ، في المسلمين ، نسأل الله تعالى العافية من مقام الخزي ، اللهم نعوذ بوجهك آمين.

ثالثا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت