فهرس الكتاب

الصفحة 625 من 719

كل ذلك تحقيقا للقاعدة القرآنية العظيمة: ( وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم للتهلكة ) ومعلوم أن معناها ، أنفقوا أرواحكم وأموالهم في الجهاد ، وإلا فسوف تكون الهلكة عليكم ، كما دل على هذا المعنى الحق ، نصوص كثيرة ، والواقع ، وسنن الله الكونية التي أقام عليها الحياة الدنيا .

أما هؤلاء المنهزمون ، فقد عكسوا الأمر ، فقد أزالوا كل الشروط التي وضعتها الشريعة لمن يتولى أمر المسلمين ، وقيّدوا الجهاد بشروط ما أنزل الله بها من سلطان .

وبعد هذا ، فلا يخفى أن ذلك إنما وقع منهم ، تحت ضغط داء الإنهزاميّة ، وتحت وطأة الشعور بهذا الرقّ العصري ، رقّ الأنظمة المستبدة التي غدت تفرض على العالم والمفكّر ، حتى ما ينطق به لسانه ، وفق ما يطلبه أعداء الإسلام ولاحول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

بينما تجد الكفار الذين حلّوا ديار الإسلام غازين ، واستباحوها مفسدين ، وأعلنوا فيه الكفر المستبين ، تجدهم قد أقاموا هذين الأمرين بما يحقق لهم الظهور والاستعلاء .

فقد وضعوا لمن يتولّى عليهم شروطا ، تضمن تحققيه لمصالح شعوبهم ، وقوة دولهم ، فإن حاد عنها ، استبدلوا غيره به .

أما حروبهم وأسباب قوتهم العسكريّة ، فقد خففوا من شروطها ، ليضمنوا تحقيقها لإستعلاءهم ، فإن عارضت حروبهم الأمم المتحدة المزعومة ، نبذوها وراء ظهورهم ، ومضوا في الحرب ، وإن اقتضت حربهم إبادة الأبرياء ، لم يلتفتوا إلى إهراق دماءهم ولو أهرقوها أنهارا تجري ، كما فعلوا في العراق ، وإن اقتضت أن يكذبوا كذبوا وزوّرا الحقائق ، وإن اقتضت أن يمتلكوا السلاح النووي المدمّر ، أو يملئوا الأرض من الإشعاعات المضرة ، فلا يبالون بما تأتي به من دمار للبشرية.

ذلك أنهم يعلمون أن التفوق على الأمم ، والعزة في الأرض ، لا تأتي إلا بإقامة السلطان الذي تتوفر فيه شروط إقامة التفوق والعزّة ، وبالقوة الضاربة التي تضمن ذلك .

فنسأل الله تعالى أن يرزقنا البصيرة في الدين ، وأن يعيد لهذه الأمّة العظيمة ، الوعي الصحيح بشريعتها التي تحملّها مسؤوليّة عالمية ، والعزيمة على القيام بواجبها العالمي .

خاتمة في التحذير من تولي الكافرين والرضا بعلوهم على بلاد المسلمين طمعا في حفظ الدنيا ولو فسد الدين:

هذا ومن الواضح أن سبب هذه الفتاوى المضلّة التي انتشرت على بعض الفضائيات ، هو تهوين أمر الركون إلى الكفار ، والاستخفاف بحكمهم واستيلاءهم على بلاد الإسلام ، وإيثار نهج السلامة ، والبقاء في حياة الرفاه ، والاستمتاع بمتاع الحياة الدنيا ، ولو على حساب فساد الدين ، وإفساد المسلمين ، مع أن ذلك من شأنه أن يذهب الدين والدنيا ، ولكنهم لايعقلون.

ولما كان هذه الفتنة تتكرر ، كلما حلّت جيوش الكفر بلاد الإسلام ، فمن المناسب ، أن ننقل فتوى العلامة سيدي محمد بن مصطفى الطرابلسي ، في التحذير من الركون إلى دول الكفر ، وبيان عاقبة ذلك على دين المسلم ، لما حدث ذلك إبّان الاحتلال الصليبي في القرن الماضي .

قال العلامة المهدي الوزاني في النوازل الكبرى 3/72ـ78:"ذلك أنه سئل العلامة سيدي محمد بن مصطفى الطرابلسي ، لما شاع وكثر في هذه الأزمنة من احتماء المسلمين بالكفار بعد نقضهم البيعة الإسلامية ، بحيث يكون حكمهم كحكم رعاياهم الأصليين ، إذا وقعت لهم حادثة التجأوا إليهم ، واشتكوا إليهم ، وإذا طلبوا أمراء الإسلام يمتنعون ، ويقولون: نحن تحت حماية الدولة الفلانية ، وإذا جلب إلى محكمة أهل الإسلام ، يحضر معه رجل من طرف الحكومة الأجنبية ، هل يجوز هذا في الشرع الشريف ؟"

فأجاب: لا يجوز هذا الصنيع القبيح السيء في الشريعة المنورة ، بل هو حرام ، بل قيل: إنه كفر ، وشهد له ظاهر قوله تعالى"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بضعهم أولياء بعض ، ومن يتولهم منكم فإنه منهم"، وكذا ما بعد هذه الآية من قوله تعالى"فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة"، فهي صريحة في أنه لا يفعل ذلك إلا من كان في قلبه مرض ونفاق والعياذ بالله . وكذلك ظاهر قوله"ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء"، أي فليس من ولاية الله في شيء ، فظاهره أنه انسلخ من ولاية الله رأسا ،

وقد قال تعالى في حق المؤمنين:"الله ولي الذين آمنوا". فمن انسلخ من ولايته تعالى فلا يكون الله وليه ، فلا يكون مؤمنا .

وكذلك قوله تعالى"بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما"، ثم بين المنافقين بقوله تعالى"الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين"، ثم قال"أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا".

والآيات والأحاديث في هذا الشأن كثيرة ، وهؤلاء المحتمون أشد ضررا على المسلمين من الكفار الأصليين .

ثم قال: فهذا وقد ألّف في هذه الحادثة ، سيدي علي الميلي رسالة شدد فيها النكير على من يفعل هذا الفعل ، قال: فلا يجوز القدوم عليه ولو خاف على ماله أو بدنه ، لأن المحافظة على الدين مقدمة عليهما .

ومن القواعد الأصولية:"إذا التقى ضرران ارتكب أخفهما".

ومنها قولهم: مصيبة في الأموال ولا مصيبة في الأبدان ، ومصيبة في الأبدان ولا مصيبة في الأديان"فالمؤمن رأس ماله ، وأعز شيء عنده دينه ، فهو مقدم على كل شيء"انتهى النقل عن النوازل الكبرى .

ومن يتأمل كلام هؤلاء المتخبّطين بغير علم ، يرى أنهم يعكسون تماما دلالة قوله تعالى"يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ"

فالله تعالى جعل الكفر والصد عن سبيل الله ، هو الفتنة ، وهي أشد من القتل ، وهؤلاء يجعلون حتى الأذى ، ونقص الرزق ، وذهاب الأمن ، وليس القتل ، أشد عليهم من الفتنة في الدين . وهم مع ذلك لم يتدبروا حقا قوله تعالى"ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا"، أي أن الكفار إنما يجعلون قوتهم العسكرية ، وسيلة يتوسلون بها إلى ارتداد المسلمين عن دينهم ، لأن الشيطان هو الذي يقودهم ويأزهم على المؤمنين .

والعجب أنّهم كأنّهم يظنّون ظنّ السوء بربهم ، أنّهم إنْ هم أطاعوه لم يرزقهم على طاعته ، وإن عصوه فصاروا تحت حماية الكفار رزقهم على معصيته ! فتأمّل كيف لبّس عليهم الشيطان ، فظنّوا أنّ في تحالفهم مع أشد الناس كفرًا وعداوة للمؤمنين ، أمنًا واستقرارًا ورفاهًا .

كما حكى الله تعالى عن الذين في قلوبهم مرض قولهم:"فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة ، فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت