يقول ابن القيم -رحمه الله - وهو يتحدث عن العبر من غزوة أحد في (زاد المعاد)
(3/222) : ومنها ـ أي من دروس غزوة أحد ـ أن الله سبحانه إذا أراد أن يهلك أعداءه ويمحقهم ، قيض لهم الأسباب التي يستوجبون بها هلاكهم ومحقهم ، ومن أعظمها - بعد كفرهم -: بغيهم وطغيانهم، ومبالغتهم في أذى أوليائه، ومحاربتهم وقتالهم، والتسلط عليهم، فيتمحص بذلك أولياؤه من ذنوبهم وعيوبهم، ويزداد بذلك أعداؤه من أسباب محقهم وهلاكهم، وقد ذكر سبحانه وتعالى ذلك في قوله:"ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين * إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين * وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين"، فجمع لهم في هذا الخطاب بين تشجيعهم، وتقوية نفوسهم، وإحياءِ عزائمهم وهممهم، وبين حسن التسلية، وذكر الحكم الباهرة التي اقتضت إدالة الكفار عليهم، فقال:"إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله"فقد استويتم في القرح والألم، وتباينتم في الرجاء والثواب، كما قال:"إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون"فما بالكم تهنون وتضعفون عند القرح والألم؟! فقد أصابهم ذلك في سبيل الشيطان وأنتم أصبتم في سبيلي وابتغاء مرضاتي.
ثم أخبر أنه يداول أيام هذه الحياة الدنيا بين الناس، وأنها عرض حاضر يقسمها دولًا بين أوليائه وأعدائه، بخلاف الآخرة فإن عزها ونصرها ورجاءها خالص للذين آمنوا.
ثم ذكر حكمةً أخرى، وهي: أن يتميز المؤمنون من المنافقين ، فيعلمهم علم رؤية ومشاهدة ، بعد أن كانوا معلومين في غيبه.
ثم ذكر حكمة أخرى، وهي: اتخاذه سبحانه منهم شهداء، فإنه يحب الشهداء من عباده، وقد أعد لهم أعلى المنازل وأفضلها، وقد اتخذهم لنفسه، فلا بد أن ينيلهم درجة الشهادة"انتهى."
وكان قال قبل ذلك ـ رحمه الله ـ مقررًا هذا الأصل (3/18) : والمقصود أن الله سبحانه اقتضت حكمته أنه لا بد أن يمتحن النفوس ويبتليها ، فيظهر بالامتحان طيبها من خبيثها، ومن يصلح لموالاته وكراماته ومن لا يصلح، وليمحص النفوس التي تصلح له، ويخلصها بكير الامتحان، كالذهب الذي لا يخلص ولا يصفو من غشه إلا بالامتحان، إذ النفسُ في الأصل جاهلةٌ ظالمةٌ، وقد حصل لها بالجهل والظلم من الخبث ما يحتاج خروجه إلى السبك والتصفية"اهـ ."
3-علينا -أيضًا- أن ندفع هذه السنة بسنة أخرى، وهي سنة العمل للدين، فإن الله تعالى قادرٌ أن ينصر دينه بأيسر الأسباب ،ولكن اقتضت حكمته أن لا يتم النصر إلا على أيدي رجالٍ ينذرون أنفسهم لنصرة دينهم بالغالي والنفيس، وبكل ما يقدرون عليه.
ألم تر -أخي الكريم- كيف ترك المهاجرون ديارهم وأموالهم، بل أخرجوا منها رغمًا عنهم، وقبلوا بذلك، وما أرخصه إذا كان الثمن رضوان الله والجنة، فأعقبهم الله تعالى- بعد سنوات من الدعوة والجهاد- بأن عادوا إليها فاتحين، وقبل ذلك وبعده أن الله تعالى رضي عنهم، وعن إخوانهم من الأنصار.
إذن، نحن بحاجة إلى أن نخرج من دائرة النواح والبكاء، لننزل إلى ميادين العمل، وما أكثرها في هذا الزمن!
ومن المهم -أيضًا- في هذا المقام أن لا نختصر مجالات النصرة، وسبل رفع الذلة عن هذه الأمة في عملٍ واحد، فإن نبينا - صلى الله عليه وسلم- الذي جاء بالتوحيد، هو الذي أمر بإماطة الأذى عن الطريق، وهو الذي أمر بالإحسان إلى الحيوان ويجب أن لا نستهين بأي عملٍ فاضل، وأن لا يعيب المشتغل بالعلم تعلمًا وتعليمًا من نذر نفسه في ميادين الدعوة إلى الله، أو في ساحات الجهاد ، والعكس صحيح، فإن الجميع يكمل بعضهم بعضًا، ولا غنى للأمة عن أي عملٍ صالح.
نعم! ليست الميادين في تأثيرها وقوتها بدرجة واحدة، لكن مقصودي هو التحذير من اختزال أسباب النصر في سبب واحدٍ أو سببين، فإن الله تعالى قال:"وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ".
فلنسع إلى نصرة ديننا جهدنا، ولنكن ممن لبى نداء ربه الذي قال:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ".
وقد سألت أيها الفاضل عن كيفية السعي لنصرة هذا الدين؟ وسأل آخر عن كيفية القيام بواجبه الدعوي؟ ومن الصعب في مثل هذه العجالة أن أفصل لك ماذا تعمل، لكن يمكنك الانطلاق من خلال الخطوات التالية:
1-قم بحصر للمنكرات في محيطك الذي حولك.
2-ابدأ بعلاج المنكر الأكبر ، فإن لم تستطع فانتقل للذي بعده.
3-تواصل وتشاور مع أهل العلم والدعاة ـ إن وجدوا في بلدك ـ لبحث كيفية علاج هذه المنكرات أو التخفيف منها، وإلا فانتقل للذين بعدهم وهكذا، وأرجح ألا تبتعد في السؤال عن أهل بلدك، لأنهم أعلم بحال بلدك من غيرهم، فإن عدموا ـ ولا أظن ذلك ـ فبإمكانك أن تتواصل مع غيرهم.
4-ديننا قائم على: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمع ممارسة النهي عن المنكر، يجب أن نقدم للمجتمع المعروف، بل البدء به هو الأصل، فليس صحيحًا ألا يسمع المجتمع منا إلا نبرة الإنكار فقط، بل من نشر المعروف، بالدروس والمواعظ، أو على الأقل عن طريق خطب الجمعة، كل ذلك بحسب الطاقة.
فإن منعنا من ذلك كله، فلن نعجز أن نري المجتمع منا صدقًا في الالتزام بهذا الدين، نتمثله بالصدق في أقوالنا وأفعالنا ، فتلك -وربي- ليست بهينة ، فقد كسب بها النبي ج أنصارًا لدينه بسبب صدقه وأمانته، وشمائله الطيبة التي جعلت الناس يقولون: ما كان هذا ليكذب على ربه وهو لا يكذب في حديث الناس.
4-ونحن نرى ما نرى من الإبتلاءات والشدائد، يجب أن نفتح أعيينا على الجوانب المشرقة التي تحققت للأمة في العقدين الأخيرين، على مستوى الشعوب على الأقل؟!
فمن ذا الذي ينكر هذا الخير العميم الذي انتشر في بلاد الإسلام؟
ومن الذي يكابر في هذه الأفواج الكبيرة العائدة إلى الله، أو الداخلة في دين الله تعالى؟!
كم هم حفظة القرآن؟ كم هم المشتغلون بحفظ السنة؟.
ألم تر عينك أفواج الشباب التي تعتكف في الحرمين في العشر الأواخر من رمضان؟
ألم تسمع عن أخبار المجاهدين الذين رووا أرض الجهاد بدمائهم في فلسطين، وأفغانستان، والشيشان، وكشمير، والعراق؟!
متى كان الشباب يعلنون أن أغلى أمانيهم أن يموت أحدهم شهيدًا؟!
كم هن النساء اللاتي عدن إلى الحجاب، وهن في وسط الفتن، رغم قوة الصوارف والمغريات؟!
إن هذه -أخي الفاضل- مكاسب كبرى، يجب أن تكون رافعةً لهمتنا، ومبشرةً لنا بأن عمل من سبقنا من المصلحين - رغم ضعف إمكانياتهم، وقلة اتصالاتهم- آتى ثمارًا يانعة.
إن بشائر النصر تلوح في الأفق، وهي -بمقياس الزمن الطويل- ليست ببعيدة بإذن الله، ولكننا -أحيانًا - نستعجل، وربنا لا يعجل لعجلتنا.
يقال هذا، وتذكر هذه البشائر، ونحن جميعًا نعلم أن في الأمة جوانب كثيرة، تحتاج إلى إصلاح، نعم ..لكن لماذا نستمر في جلد ذواتنا ،وتحطيمِ ما شُيِّد من جهود كبيرة، وكأننا لا نملك أي بصيص من الأمل ؟!
5-قلب نظرك -أخي - في صفحات التاريخ ، فستجد أن الأمة مر بها أنواع من الفتن والإبتلاءات، أضعفتها، وأنهكتها فترة من الزمن، ولكنها عادت بعد ذلك قويةً.