فمن تابع أخيرا الانتخابات الرئاسية والتشريعية في تونس والخطب السياسية التي ألقيت سواء من طرف مرشح التجمّع الدستوري الديمقراطي الرئيس بن علي، أو مرشحي أحزاب المعارضة ومنهم السيد محمد بوشيحة ممثل حزب الوحدة الشعبية، إضافة إلى ممثلي حزبي الوحدوي الديمقراطي والتجمع الديمقراطي التقدمي، سيلاحظ أن هناك شعارا موحدا اجتمعت عليه أغلب الخطب، وهو التأكيد على الحرص الدائم المتواصل للمحافظة على عروبة تونس وهويتها الإسلامية.
وأظن أن مثل هذا التأكيد لا يندرج في إطار الشعارات السياسية الرنانة أو مجرد تذكير بثابت من الثوابت، حتى أن تكراره والتأكيد على أولويته، يجعل الفرد يتساءل عن أسرار هذا الهاجس، وهل تحتاج تونس التي شملها الفتح الإسلامي بداية من حسان بن النعمان عام 697 م ثم مع عمر بن عبد العزيز سنة 720 إلى التأكيد على أسلمتها ؟ أم أن الأصل البربري لشمال إفريقيا، حقيقة تاريخية في أمس الحاجة إلى المراجعة وإلى التذكير بأن تاريخ تونس عاش مرحلة أخرى صارت مع توالي القرون الحقيقة الأكبر؟
ويزداد استغرابنا أكثر عندما نضيف إلى مضامين الخطب السياسية الحالية، مضمون أول خطاب ألقاه الرئيس الحالي بن علي بعد السابع من نوفمبر 1987، إذ أعلن فيه مصالحة تونس مع هويتها العربية والإسلامية، وانطلقت المصالحة ببث آذان الصلاة في التلفزيون التونسي.
من هذا المنطلق يصبح رفع شعار العروبة والإسلام في الخطاب السياسي التونسي الحالي الحاكم أو المعارض، أبعد ما يكون عن بروتوكول، بل نحن أمام تعبيرات سياسة ذات سياق ومدلولات تنكشف بمجرد مراجعة تاريخ علاقة الدولة الوطنية التونسية بالعروبة وبالإسلام، تلك العلاقة التي قيل عنها الكثير، وكتبت في شأنها المقاربات المختلفة والمتضاربة.
فلا شك في أن الهواجس أيضا تحمل تاريخا ما ساهم في إنتاجها وصنعها، وهكذا يصبح سؤالنا حول دواعي تكرار النظام الحالي وبعض النخب السياسية المعارضة التمسك بالهوية الإسلامية لتونس أمرا ضروريا لا سيما أن البند الأول من الدستور التونسي يقر بصريح العبارة بأن الإسلام هو دين الجمهورية التونسية.
ومن الناحية التاريخية نجد أن جامع الزيتونة كان يعتبر منارة في التعليم الديني، وقد بلغت شهرته آفاقا واسعة جعلته يحتل مكانة تضاهي جامع الأزهر. كما عرف تاريخ تونس الكثير من رجال الدين ومن المتصوفة نذكر منهم أبي حسن الشاذلي وعبد العزيز المهدوي. ولم تخلو مرحلة الاستعمار الفرنسي من وجود عدة شيوخ يعتبرون حجة في مجال الدين الإسلامي، نذكر منهم عبد العزيز جعيط ومحمد الطاهر بن عاشور وابنه الفاضل بن عاشور والشاذلي النيفر وغيرهم كثير.
ورغم هذا التاريخ الحافل بالإشعاع الديني، فإن توجهات الدولة الوطنية إبان استقلالها والمتسمة بالعلمانية، أحدثت نوعا من الصدمة جعلت الكثير يتلهى بالصدمة وينسى التاريخ الديني المزدهر.
ويبدو أن المغامرة العلمانية التي خاضها بورقيبة وإعلانه قبل الحصول على الاستقلال التام في الصحافة الفرنسية بأنه يطمح إلى إرساء دولة لائكية، إضافة إلى انبهاره بمصطفى كمال أتاتورك، قد خلقا إرباكا تحول بدوره إلى حرص أحيانا غير مبرر على تأكيد الهوية الإسلامية لتونس. وقد اخترنا الخوض في هذا الموضوع تحديدا ليس فقط بسبب ما ورد في بعض الخطب السياسية في الفترة الأخيرة، بل لأن أبرز فصول المغامرة العلمانية التونسية حدثت في شهر رمضان عام 1960. ففي مثل هذا الشهر المبارك في فبراير (شباط) 1960، أطلق الراحل الحبيب بورقيبة دعوته الشهيرة للإفطار في رمضان وتعمد شرب كأس عصير أثناء تقديمه لخطاب حول نفس الموضوع، بل انه طلب من مفتي الجمهورية آنذاك الشيخ عبد العزيز جعيط، إصدار فتوى للإفطار، ولما رفض قرر إقالته وبقي منصب مفتي الجمهورية شاغرا لمدة سنتين.
ولقد كانت حجّة بورقيبة في دعوته للإفطار أن معركة التقدم التي يسميها بالجهاد الأكبر تستوجب الإفطار.
وإضافة إلى هذه الدعوة كمظهر من مظاهر العلمنة، أباح بورقيبة فائض الأرباح في قوانين البنوك التونسية، وأيضا ألغى اعتماد التاريخ الهجري. من دون أن ننسى برنامج تحديد النسل واسترخاص عام 1961 باستعمال وسائل منع الحمل. وأيضا قرار التعقيم الإجباري لكل امرأة أنجبت ثمانية أو عشرة.
وتزخر التجربة البورقيبية بعدة ظواهر أخرى كتقديس الدنيوي بدل الدين، ولعل موقف بورقيبة من رجال الدين وإطفاء جاذبيتهم الشعبية وعمله على تهميش الأنتلجيسيا الإسلامية واتهامهم بالتعامل مع المستعمر الفرنسي ووصفهم بشتى النعوت التحقيرية والتخوينية، قد عمم فكرة أن الفاعل الديني في تونس لا سلطة له ولا حول ولا قوة، بل لا وجود له داخل الدائرة الرسمية.
إذا كل هذه المظاهر التي اتسمت بتوجهات علمانية قد وسمت علاقة الدولة بالإسلام بريبة ما، وجعلت النخب السياسية تتسابق، كل على طريقتها وبدرجات متفاوتة، في اتجاه تأكيد حقيقة حولتها مغامرة بورقيبة العلمانية إلى ضباب ينتظر أن ينقشع لتظهر الحقيقة صافية. وطبعا لا يفسح المجال في هذه الورقة إلى ضبط المبالغات التي حصلت في هذه المقاربة، وكيف أن التجربة البورقيبية تمتلك في مقابل التوجهات العلمانية، مظاهر أخرى تدعم تواصلها مع الدين الإسلامي في أكثر من صعيد، من ذلك أن خطاب بورقيبة السياسي كان يكثر من استدعاء النوايات الأساسية في الدين الإسلامي ويستشهد بالآيات القرآنية وبالأحاديث النبوية ويحتفل بالأعياد الدينية.
ولكن يبدو أن مغامرة بورقيبة العلمانية، حتى وإن وصفها البعض ومنهم المفكر هشام جعيط، بأنها متصالحة مع الدين الإسلامي، فإنها لم تزل تمثل شبحا لا بد من مطاردته، رغم أن المكاسب التي تعتبر في الظرف الزمني الذي ظهرت فيه علمانية الرؤية والمرجعية، لم تتخل عنها تونس بل واصلت الدرب فيها ولم تقم إلا ببعض التغييرات الطفيفة الشكلية، مع التركيز على مكاسب رمزية مثل بناء جامع في مدينة قرطاج بتونس، يتمتع بهندسة معمارية في غاية البساطة والجمال والاتساع، إضافة إلى تزايد عدد الجوامع وإحداث جائزة دولية سنوية حول أهم بحث في الدراسات الإسلامية.
ولا شك طبعا في أن هاجس التأكيد قد يكون أيضا بغرض سحب البساط من المعارضة ذات الأساس الديني.
لذلك، آن الأوان لتجاوز مثل هذا الهاجس، خصوصا أن الاكتفاء بترديده لن يثبت شيئا، ولن ينفي شيئا آخر. فالجهد الحقيقي يجب أن ينتقل إلى طور أكثر فعالية وجدوى، وهو التعريف بالمدرسة التونسية في الفكر الإسلامي، وهي مدرسة ذات خصوصية وإسهام قابل للتصدير، ذلك أن الإسلام هو دين تونس والعربية لغتها، وهما حقيقتان تاريخيتان لن تمحوهما أي توجهات علمانية أو حتى قرارات سياسية يفسرها البعض أو الأغلبية بأنها تتعارض والواجب الإسلامي.