فكيف تعود الأسرة المسلمة محضنًا أول للتربية كما كانت دائمًا ؟ وكيف تتلافى الآثار السلبية لغالبية ما تبثه وسائل الإعلام وبعض مناهج التعليم في نفوس الناشئة ؟ هذا ما يجيب عليه الدكتور"أحمد العسال"الخبير التربوي ونائب رئيس الجامعة الإسلامية بإسلام آباد في هذا الحوار الذي بدأناه بسؤال تمهيدي كالتالي:
1-ما الخطوات التي ينبغي إتباعها لتقديم العلم المرتبط بكرامة الإنسان التي يهدرها الجهل والأمية والإعلام الفاسد والتعليم العاجز؟
-العلم أساس حياة الإنسان وأساس استقامته..خاصة العلم المتصل بالهداية والعلم المتصل بينابيع الإيمان ورحيق الخير في الإنسان .. ثم إن الله تبارك وتعالى لم يترك الإنسان هملًا أو عبثًا بل أرسل له الأنبياء والمرسلين ليأخذوا بيده إلى طريق الحق ..ليجنبوه الغواية والهوى والوقوع في حبائل الشهوة ..قال تعالى"وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا"وقال"ولما بلغ أشده آتيناه حكمًا وعلمًا"..وهكذا والإمام البخاري بوب لهذا فقال { العلم قبل القول والعمل} بل قبل النية فإنه يصحح النية واستشهد على ذلك بقوله تعالى: { فاعلم أنه لا إله إلا الله} ..
-وأول كلمة نزلت في القرآن"اقرأ"ثم كان من معجزات الحق سبحانه وتعالى أن يقسم بالقلم وأول ما خلق الله القلم .. لأن القلم هو أداة تقييد العلم ومن فضل الله سبحانه أن جاءت قصة آدم في القرآن حتى يعلم الإنسان شيئين هما:
الجانب التعليمي العام: ويتمثل في تعليم الله لآدم الأسماء كلها التي سيحتاجها ..وكان هذا تكريمًا لآدم وفي ذلك أيضًا إظهار لحكمة الله عز وجل من خلق آدم ولذلك قالت الملائكة { سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم } ..
الجانب التعليمي الآخر ( علم الهداية) : حينما أخطأ آدم وأكل من الشجرة تاب إلى الله عز وجل .. قال سبحانه ( قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) .. فكان العلم الآخر هو علم الكتاب .. وعلم الرسالة ..علمًا يضبط خطوات الإنسان في هذه الحياة؛ لذلك فالخطوات التي ينبغي إتباعها لتقديم العلم المرتبط بكرامة الإنسان هي: أن يعرف الإنسان ربه..فيجب أن تشتمل مناهج التعليم في المراحل الأولى على تدريس قصص الأنبياء والصالحين للأطفال منذ سن الروضة ذلك أن معرفة الإنسان بربه سوف تضعه في دائرة أداء الواجبات التي عليه كما ستجمع إرادته ..لأن الإيمان يجمع الإرادة ويجعل الخشية ملازمة للإنسان ومن ثم يتولد لدى الفرد الضمير الحي والإخلاص في أعماله جميعًا فيغدو عنصر بناء في المجتمع لا عنصر هدم ..ولقد وضع الرسول صلى الله عليه وسلم أسس المنهج التعليمي للإنسان في مرحلة الطفولة من خلال حديثه للغلام"يا غلام احفظ الله يحفظك ..احفظ الله تجده تجاهك .. الحديث"..
ففي هذا الحديث نلمس كيفية غرس مراقبة الله في نفس الفرد منذ طفولته وكذلك غرس اليقين وعدم الاتكال أو اللجوء لغيره سبحانه وتعالى وذلك من خلال قوله"لو اجتمعت الأمة على أن ينفعوك.. لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك"، أيضًا تعلم الشجاعة.. وألا يخشى في الله لومة لائم من خلال قوله صلى الله عليه وسلم"لو اجتمعت الأمة على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك".. وهذا يعد أعظم المناهج للإنسان في مرحلة الطفولة ..حيث يترجم عمليًا في باقي حياة الإنسان ..أيضًا حفلت السيرة النبوية بمواقف تعليمية عظيمة للأطفال من الرسول صلى الله عليه وسلم والمتمثلة في قوله صلى الله عليه وسلم لابن عباس"سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك".. فهذا أيضًا داخل في نطاق المنهج التعليمي للأطفال في المراحل الأولى من خلال تعليمهم آداب الإسلام .. وهو ما يسمونه اليوم"الإتيكيت"الذي سبق الإسلام إليه جميع العلوم الأخرى .
والخطوة الثانية هي: الاهتمام بالمهارات لدى الطفل..ومن المؤسف أن مناهج تعليمنا تهتم بالكمية ولا تهتم بالمهارات لذلك فعلى الأم والأب والمدرس الجيد أن يكتشفوا المهارات في الأطفال لينموها..
معرفة الآخر
2-وماذا عن تعرض الطفل لوسائل التوجيه الأخرى؟
-لابد من التزود بالثقافة والفكر الإسلاميين.. حسب النمو العقلي ثم الفكر العام .. فمن المآخذ الشديدة أن تحصر الطفل في قناة تربوية واحدة ..فهو يريد أن يكتشف ما حوله فلابد أن يقرأ القصة والشعر والأدب ولابد كذلك من أن يقرأها من الآخرين بعد أن يتأسس إيمانه وفهمه ولابد من أن يعرف المجتمع الذي يعيش فيه .. وكما يقول الشاعر:
عرفت الشر لا للشر ولكن لتوقيه ... ومن لا يعرف الشر من الخير يقع فيه.
ولابد أن يعرف شيئًا عن الفنون وما هو لهو الحديث المقصود؟.. ومن عظمة القرآن أنه تكلم عن الجاهلية في شتى شؤونها وعن المكذبين ..وعن بني إسرائيل قال تعالى: { أوكلما عاهدوا عهدًا نبذه فريق منهم } وهذا ما نلمسه على أرض الواقع اليوم ونبذهم للاتفاقيات ..فمعرفة الآخرين تحصن الإنسان ومن الخطورة بمكان العزلة عن المجتمع .. العزلة عن الأفكار فالإنسان إذا لم يعرف غيره سيجهل نفسه .. ومعرفة الغير تعطيك رصيدًا من اليقين بالحق الذي تؤمن به وبالخير الذي هداك الله إليه وبالنور الذي منحك الله إياه .
3-هل معنى ذلك أن نترك الأبناء أمام التلفاز يتجرعون من برامجه الغثة ما يشاءون؟
-هذا مما عمت به البلوى فلا نستطيع في عصر الفضائيات أن نحجب الأبناء عن رؤية ما في التلفاز كلية ولكن يجب أن يكون هناك ترشيد ..والآن ولله الحمد أصبح هناك فضائيات إسلامية ..ويجب أيضًا أن يكون هناك تذكرة مستمرة والطفل بطبعه خير .. وهذا عن تجربة ..ودومًا لتقل الأم لطفلها: هل ترضى لأمك أو أختك أن تكون متبرجة هكذا أمام الرجال ؟ أو أن تقول له: إذا أنت أكلت أكلًا طيبًا انتفع به جسمك و إذا أكلت أكلًا فاسدًا جر عليك المرض .. وهل تحب أن تأكل أكلًا حامضًا ؟..وهكذا ..فعندما تشحنين الابن بمثل هذه العبارات وتغرسين فيه كره أفعال هؤلاء الأشخاص وأن المرء يحشر مع من أحب .. فأنت تعملين وقاية له ومناعة ضد هذا الشيء وبالموالاة والمتابعة تأتي النتائج المرجوة .. أما أن تمنعه الأسرة من مشاهدة التلفاز كلية فكل ممنوع مرغوب ويمكن أن يتحايل على ذلك من أجل مشاهدته ..
التعليم ..والتربية
4-هل تستطيع الأسرة أن تتكفل بالعملية التربوية وحدها ؟
نعم تستطيع ذلك من خلال:
-أن تبحث في المجتمع عن العلماء الصالحين والأدباء الصالحين وترسل أبناءها لهم ويجب أن يكون هناك تواصل بين الأسرة وهؤلاء الصالحين .. وأذكر أنه من الأشياء التي أثرت فينا ونحن طلاب أننا كنا نسعى للعلماء الصالحين في بيوتهم لنتزود منهم وننهل من علومهم من أمثال الشيخ الشنتوت - رحمه الله - فالتواصل مع هؤلاء يكمل النقص الموجود في المناهج التعليمية في بعض الدول العربية .
-أيضًا الوسط الاجتماعي: فعلى الأسرة أن تهتم باختيار الوسط الاجتماعي الذي به من الخير ما يكمل .. فلماذا لا يزور الابن صديقًا طيبًا من أسرة صالحة ؟ ولماذا لا يجتمع الأصدقاء بعضهم عند بعض ليقرءوا أو ليكملوا ما لا يجدونه في المناهج التعليمية ؟