فهرس الكتاب

الصفحة 719 من 719

وكما يملك كلّ منَّا هويّة أو بطاقة شخصية، تتضمَّن اسمه وعمره وجنسيته، مما يُعدُّ معالم بارزة ومتميِّزة في شخصيته، يكمن هناك في أقصى زوايا النفس هوية أخرى أعلى شأنًا وأهم وأكثر تميُّزًا، وهي الهويَّة التي تحوي مقوِّمات الروح وركائزها الأساسية: العقيدة ثمَّ العقيدة ثمَّ العقيدة.

ومن هنا، كان لزامًا على الأديب المسلم أن يتمثَّل هذه الهويَّة في أدبه، مهما تعدَّدت الأغراض التي يكتب فيها، ولا يعني هذا أنَّه مُطالب بتحويل أدبه إلى وعظ مباشر، فلكلّ مقام مقال، ولكلّ شخص مقوِّماته وقدراته، إلاَّ أنَّ المسلمين يتفقون جميعًا في أنَّ كلًا على ثغر من ثغور الإسلام.

ومن المهمّ أن يحذر الأديب المسلم ممَّا يكره أدعياء الأدب وسدنة الضلال من أنَّ الأدب خارج على كلّ قانون، أو أنَّ الأديب لا يُحاسب من أي شخص على أي كلمة خارجة على الدين أو العقيدة أو الخلق. كقول أحدهم: (ذلك أنَّ الشعر هو الطاقة المحرَّرة بامتياز، ولا يمكن أن يكون مفسدًا أو فاسدًا مهما تناول المعاني التي تُعدُّ خطأ فاسدة. إنَّ هذه المعاني على افتراض وجودها ـ تصبح شريفة منذ أن يتناولها الشعر) .

أو كما يزعم آخر من أنَّ الشعر والفن فوق القوانين والتعاليم الأخلاقية، فقوانين الفن، كما يرى ـ بحكم غاياتها الجمالية أو الإبداعية ـ مطلقة الحرية، والفنان يغيِّر شكل العالم دون تصريح من أحد. ويرى أنّ امرأ القيس، وعمر بن أبي ربيعة، وأبا نواس، ونزار قباني.. لو وصفوا في حديث عادي ما نظموه في بعض قصائدهم الغزلية، لاتهمناهم بالقذف والخروج عن حدود اللياقة والوقار، ولكن الذي كان يخضع للمقاييس الأخلاقية وهو حديث عادي، يصير فوق هذه المقاييس وهو لغة شعرية، فلا بدَّ من التمييز بين لغة الشعر ولغة الأخلاق.

وكلّ هذه الأقوال منافية للمنطق وللتفكير الصحيح، فالشعر قولٌ بشريُّ لا يملك الحصانة، ولا يختلف عن اللغة العادية إلاَّ في جمالياته فقط، ومن هنا فهو يخضع للتقويم، ولنا أن نحاسب الشعراء إذا حادوا عن السبيل المستقيم، ومالوا عن الصراط القويم، فقد قال >: ( الشعر بمنزلة الكلام حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام) .

وبالإضافة إلى ما ذُكر، فهناك تناقض بين ما يدعو إليه أولئك وما يكتبونه من شعر، فهم أنفسهم يصدرون في آرائهم عن فكر معيَّن مرتبط بفلسفات معروفة، تداخل فيها العديد من المذاهب . ومهما كثر التنظير عند كثير من الحداثيين، فإنَّ شاهدهم من النموذج الشعري غائب، وذلك أنَّهم دعاة للتمذهب تاريخًا وولاءً وتفلسفًا وانتماء، أكثر مما هم دعاة للمسألة الأدبية.

ومن المهم أن يعي الأديب المسلم أنَّه لا شيء يعدل الأدب في تأثيره؛ لأنَّه ـ بما يملك من سمات فنيّة جمالية لا يجوز تجاهلها ـ ممتع ذو قيمة فنية رفيعة، فلا يجوز تجاهل هذا النشاط الإنساني ذي الدور الخطير، أو تسخيره للعبث والمتعة الرخيصة، أو توجيهه لشرّ الإنسان، وإفساد قيمه، وإثارة العواطف الشريرة الدنيئة فيه.

قصة مثل: وافق شَنُّ طَبقة

كان رجل من دُهاة العرب وعقلائهم يُقال له شن، فقال: والله لأطوفن حتى أجد امرأة مثلي أتزوجها، فبينما هو في بعض مسيره إذ وافقه رجل في الطريق، فسأله شن: أين تريد؟ فقال: موضع كذا، يريد القرية التي يقصدها شن، فوافقه حتى إذا أخذا في مسيرهما قال له شن: أتحملني أم أحملك؟ فقال له الرجل: يا جاهل أنا راكب وأنت راكب، فكيف أحملك أو تحملني! فسكت عنه شن.

وسارا حتى إذا قربا من القرية إذا بزرع قد استحصد، فقال شن: أترى هذا الزرع أكل أم لا؟ فقال له الرجل: يا جاهل، ترى نبتا مستحصدا فتقول أكل أم لا! فسكت عنه شن.

حتى إذا دخلا القرية لقيتهما جنازة فقال شن: أترى صاحب هذا النعش حيا أو ميتًا؟ فقال الرجل: ما رأيت أجهل منك، ترى جنازة تسأل عنها أميت صاحبها أم حي! فسكت عنه شن، فأراد مفارقته، فأبى الرجل أن يتركه حتى يصير به إلى منزله، فمضى معه، فكان للرجل بنت يقال لها طبقة، فلما دخل عليها أبوها سألته عن ضيفه، فأخبرها بمرافقته إياه، وشكا إليها جهله، وحدثها بحديثه، فقالت: يا أبت، ما هذا بجاهل، أما قوله: >أتحملني أم أحملك< فأراد أتحدثني، أم أحدثك حتى نقطع طريقنا، وأما قوله: >أترى هذا الزرع أكل أم لا؟< فأراد هل باعه أهله فأكلوا ثمنه أم لا؟، وأما قوله في الجنازة، فأراد هل ترك عقبًا يحيا بهم ذكره أم لا؟، فخرج الرجل فقعد مع شن فحادثه ساعة، ثم قال: أتحب أن أفسر لك ما سألتني عنه؟ قال: نعم فسره، ففسره، قال شن: ما هذا من كلامك، فأخبرني عن صاحبه، قال: ابنة لي، فخطبها إليه فزوجه إياها، وحملها إلى أهله، فلما رأوها قالوا: >وافق شن طبقة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت