فهرس الكتاب
وأما الشرط، فيتمثل في ثقة الرجل في نفسه بالعدل، وإلا حرم عليه الزواج بالمرأة الأخرى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَة} النساء:3
وهذا إلى جوار توافر الشروط الأخرى لأي زواج، مثل: القدرة على الإنفاق، والقدرة على الإحصان.
وإنما أباح الإسلام ذلك لأنه دين واقعي، لا يُحَلِّق في مثاليات حالمة، ويترك مشكلات الحياة دون علاج مقدور عليه.
فالزواج الثاني قد يحل مشكلة عند الرجل الذي لا تنجب امرأته، أو تطول عندها فترة الحيض، وهو قوي الشهوة، أو يصيبها المرض، ويستمر معها، ولا يريد أن يطلقها، إلى غير ذلك.
وقد يحل مشكلة عند المرأة الأرملة التي يموت زوجها ولا تطمع في الزواج من شاب لا زوجة له، ومثلها المطلقة وهي شابة، وخصوصًا لو كان لها طفل أو أكثر.
وقد يحل مشكلة عند المجتمع كله، عندما يزيد عدد النساء الصالحات للزواج عن عدد الرجال القادرين على النساء، وهذا خاتم باستمرار، ويزداد تفاقمًا بعد الحروب ونحوها.
فماذا نفعل بالعدد الفائض من النساء؟ إنهن واحدة من ثلاث:
1-إما أن يقضين العمر كله محرومات من حياة الزوجية والأمومة. وهذا ظلم لهن.
2-وإما أن يشبعن غرائزهن من وراء ظهر الدين والأخلاق، وهذا ضياع لهن.
3-وإما أن يقبلن الزواج من رجل متزوج قادر على النفقة والإحصان، واثق بالعدل، وهذا هو الحل المناسب.
أما سوء استعمال هذه الرخصة أو هذا الحق، فكم من حقوق يُساء استخدامها، ويتعسف في استعمالها، ولا يؤدي ذلك إلى إسقاطها وإلغائها. الزواج الأول نفسه كم يساء استخدامه، فهل نلغيه؟
الحرية كم يساء استخدامها، فهل نلغيها؟ الانتخابات يساء استخدامها، فهل نلغيها؟ السلطة.. أيًّا كانت يساء استخدامها، فهل نلغيها وندع الحياة فوضى؟
إن الأولى- بدل أن ننادي بإلغاء الحق- أن نضع الضوابط لاستخدامه، ونعاقب من يسيء في ذلك، قدر ما نستطيع.
حكمة استثناء الرسول صلى الله عليه وسلم بتسع نسوة دون سواه:
وأما لماذا سمح الرسول عليه الصلاة والسلام أن يبقى على ذمته تسع نسوة من زوجاته، على حين لم يسمح لسائر المسلمين إلا بأربع، وهو الحد الأقصى للتعدد، حتى إن النبي عليه الصلاة السلام كان يأمر من أسلم وعنده عشر نسوة مثلًا: أن يختار منهن أربعًا، ويفارق سائرهن؟
فنقول جوابًا عن ذلك: أن الله تعالى خص رسوله صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر لسبب وحكمة معلومة، وهي: أن نساء النبي لهن من الأحكام والخصائص ما ليس لغيرهن من نساء الأمة. فمن هذه الأحكام الخاصة بهن: أنه يحرم عليهن الزواج من أي أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا} الأحزاب:53