جاء في تفسير القرآن العظيم للآية الأولى: (أَيْ: يَتَأَوَّلُونَ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ، وَيُفَسِّرُونَهُ بِغَيْرِ مُرَادِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، قَصْدًا مِنْهُمْ وَافْتِرَاءً.) [1]
وجاء في التفسير نفسه للآية الثانية: (أَيْ: يَتَأَوَّلُونَهُ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ، وَيُبَدِّلُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ.) [2]
وجاء في كتاب (البرهان في توجيه متشابه القرآن) : (لأَن الأولى فِي أَوَائِل اليَهُود وَالثَّانِيَة فِيمَن كَانُوا فِي زمن النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - أَي حرفوها بعد أَن وَضعهَا الله موَاضعهَا وعرفوها وَعمِلُوا بهَا زَمَانًا.) [3]
وبناء على ما سبق، أقول وبالله التوفيق:
فالآية الأولى: كان استخدام حرف الجر (عن) ، وذلك لحديث الآيات عن اليهود الذين حرّفوا ما أنزل الله، وكان ذلك في حينه وليس بعد زمن، فكان استخدام حرف (عن) مناسبًا لسياق الآيات، لأن ذلك كان قبل المرحلة المتقدمة التي حصلت بعد ذلك من العلم والفهم، فهم لم يزالوا في المراحل الأولى من تلقي هذه الآيات، وبالتالي جاء حرف الجر (عن) في موضعه المناسب مع سياق الآيات والله أعلم.
والآية الثانية: كان استخدام (من) ومعها بعد، لتوضح أن الحديث عن اليهود، ولكن تحريفهم المذكور هنا لم يكن ملاصقًا أو ملازمًا لحال نزول كلام الله، وإنما بعد أن وضعه الله تعالى، حيث كان هذا التحريف بعد أن عرفوه وعملوا به زمنًا، فكان تحريفهم في هذه المرحلة أعظم وأشد، ولذلك كان استخدام حرف الجر (من) ، ليوضح أن الأمر قد كان بعد حصول شيء، ألا وهو معرفتهم لكلام
(1) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم: (2/ 323) مرجع سابق.
(2) المرجع السابق: (3/ 113) .
(3) محمود الكرماني، البرهان في توجيه متشابه القرآن: (1/ 101) مرجع سابق.