فالآية الأولى: تأخر ذكر الأموال والأنفس على الجار والمجرور، ولذلك سر متناسق مع الآيات، فالحديث قبلها كان عن الجهاد في سبيل الله عمومًا، ثم جاء من بعده إبطال ما كان يفعله المشركون مقارنة بما قام به هؤلاء الأبطال بالجهاد في سبيل الله، فكان مناسبًا أن يتقدم ذكر الجهاد في سبيل الله على ذكر الأنفس والأموال، ليكون التركيز عليه أكثر من الأنفس والأموال، فيتوافق ذلك مع سياق
الآيات والله أعلم بمراده.
والآية الثانية: تقدم ذكر الأموال والأنفس على الجار والمجرور، وهنا أيضًا سر آخر من أسرار القرآن الكريم، فالآيات قبله ذكرت ميل بعض الصحابة إلى عرض الدنيا في أخذ الفداء من الأسرى، وتبعها بعد ذلك، ذكر جواز الأخذ من الغنيمة ما دامت حلالًا طيبًا، فناسب بعد عرض هذا كله، أن يتقدم ذكر الأموال والأنفس على الجار والمجرور، ليكون محط الأنظار، وشد الانتباه، وبالتالي يتناسب تقدم الأموال والأنفس على الجهاد في سبيل الله، ويكون ذلك متوائمًا مع السياق في الآيات الكريمة والله أعلم بمراده.
{قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} [1]
{قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا} [2]
جاء في تفسير السعدي للآية الأولى: (وشهادته بقوله وفعله وإقراره، أما قوله فبما أوحاه الله إلى أصدق خلقه مما يثبت به رسالته. وأما فعله فلأن الله تعالى أيد رسوله ونصره نصرًا خارجًا عن قدرته وقدرة أصحابه وأتباعه وهذا شهادة منه له بالفعل والتأييد. وأما إقراره، فإنه أخبر الرسول عنه أنه رسوله، وأنه أمر الناس
(1) سورة الرعد: (من الآية / 43)
(2) سورة العنكبوت: (من الآية / 52)