يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ [1] ، ولم يخرج الكلام إلى غير هذا من تعريف نبيه - صلى الله عليه وسلم - بعلي حاله، وما منحه والإعلام بحال المخلفين من الأعراب، وما جرى في ظنهم، وكل ذلك تثبيت للمؤمنين ومنبئ بما تعقبهم الاستجابة لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -، ثم أتبع ذلك بالإعلام بأنه سبحانه المالك للكل والمتصرف فيهم بما يشاء، فقال تعالى: {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ، وأفهم ذلك أن فعل المخلفين من الأعراب غير خارج عما أراده وقدره، وأن مخالفتهم لا تضره تعالى، وأنها صادرة عن قضائه، فناسب هذه الأربع بجملتها تقديم ذكر المغفرة وجاء كل على ما يناسب والله أعلم.) [2]
وبناء على ما سبق، أقول وبالله التوفيق:
فالآية الأولى: تقدم فيها ذكر المغفرة على العذاب، وهذا التقديم متناسب مع سياق الآيات، فالحديث عن حال المرء ووقوعه في الخطأ، وحاجته إلى عفو ومغفرة ربه، وكذلك في المواضع الأخرى، حيث الحديث بمجمله لا يتعلق بالعذاب، وإنما بالإخبار عن أحوال الأمم السابقة واللاحقة، فكان تقديم المغفرة متوافقًا مع السياق والله أعلم.
والآية الثانية: تقدم فيها ذكر العذاب على المغفرة، وهو متوافق أيضًا مع سياق الآيات، فالحديث هنا عن عقوبة السارق، وما يستحقه من العذاب في الدنيا، وكذا المحارب، وما يناله من الجزاء في الدنيا، فتناسب تقديم العذاب، لأن المقام مقام وعيد وتحذير من السرقة وغيرها من الجرائم الأخرى، والتي تستحق العقوبة، فكان التقديم والتأخير في مكانه المتوائم مع سياق الآيات والله أعلم.
(1) سورة الفتح: (من الآية / 10) .
(2) أحمد الغرناطي، ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل: (1/ 73، 74) مرجع سابق.