والموضع الثاني: جاء فيه لفظ (عام) ، ومعناه يوحي بالخير والبركة والنماء، وقد جاء في مكانه الملائم تمامًا ليساق ومعنى الآيات أيضًا، لأن هذه الأعوام التي قضاها سيدنا نوح عليه السلام بعد هلاك الكفار من قومه، وبقائه مع الذين أنقذهم الله جلت قدرته بالسفينة من الغرق ممن آمن معه، وهي الخمسين عامًا، كانت أعوامًا جميلة ومشرقة في مجملها، فكان الاستخدام متوافقًا مع سياق الآيات والله أعلم.
{وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ} [1] {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ} [2] جاء في تفسير القرآن العظيم للآية الأولى: (يَعْنِي: حُصُونُهُمْ. كَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وعِكْرِمة، وَعَطَاءٌ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّي، وَغَيْرُهُمْ، وَمِنْهُ سُمِّيَتْ صَيَاصِي البَقَرِ، وَهِيَ قُرُونُهَا؛ لأَنَّهَا أَعْلَى شَيْءٍ فِيهَا.) [3]
وجاء في التفسير نفسه للآية الثانية: (وَأَخْرَجَهُمْ مِنْ حُصُونِهِمُ الحَصِينَةِ الَّتِي مَا طَمِعَ فِيهَا المسْلِمُونَ، وَظَنُّوا هُمْ أَنَّهَا مَانِعَتُهُمْ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ، فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا.) [4]
ومن خلال بحثي في بقية كتب التفسير، فإني لم أعثر على ما يشفي الغليل في سر اختلاف الصياغة في اللفظ، والحكمة من تغيرها حسب موقع الآية، فأقول والله أعلم ومنه التوفيق:
(1) سورة الأحزاب: (من الآية / 26) .
(2) سورة الحشر: (من الآية / 2) .
(3) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم: (6/ 398) مرجع سابق.
(4) المرجع السابق: (8/ 57) .