وبناء على ما سبق، أقول وبالله التوفيق:
فالآية الأولى: كان فيها استخدام حرف الباء بعد فعل الشرب، ليعطي المعنى المطلوب في أروع صورة، وأجمل تشبيه، حيث تتحدث الآيات في مجملها عن أصحاب مراتب عالية جدًا، سواء في سورة الإنسان، وهي المذكورة في المثال، أو في سورة المطففين، كما في الآية الكريمة: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (28) } [1] ، وهؤلاء المقربون ذكر المولى عز وجل وصفهم في أواخر سورة الواقعة، وامتدحهم وذكر منزلتهم في الجنة، وقدمهم على أصحاب اليمين في الذكر، فقال عز من قائل: {فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (89) } [2] ، فدل كل هذا على عظيم منزلتهم، وجليل قدرهم، وبالتالي تناسب حرف الباء هنا ليوضح للقارئ معنىً أدق وأوسع من حرف (من) ، فالمعنى والله أعلم يوحي بمعنى عند، فكأنه يلامس الكأس الذي يشرب به، أو حتى بداخله، فهو يستمتع بالشرب والنظر معًا، وهذه مرحلة متقدمة جدًا، فكأنه يشرب الكأس بالذي فيه، فكان استخدام حرف الباء في محله ليعطي المعنى المراد من الآية والله أعلم بمراده.
والآية الثانية: جاء حرف (من) على أصله بعد فعل الشرب، وهو المعنى الطبيعي الذي يتبادر إلى الأذهان، فالشرب يكون لما بداخل الكأس، وهو استخدام في محله كما يظهر والله أعلم، لأن الخطاب موجه هنا للأبرار وليس للمقربين، وكما يقال (حسنات الأبرار سيئات المقربين) ، وبالتالي كان استخدام الحرف في مكانه المتوافق مع الآيات والله أعلم بمراده.
(1) سورة المطففين: (الآية / 28) .
(2) سورة الواقعة: (الآيتان / 88، 89) .