وجاء في كتاب (لباب التأويل في معاني التنزيل) :(قلت لما كان محمد - صلى الله عليه وسلم - أميًا لم يقرأ ولم يكتب وأتى بهذا القرآن العظيم كان معجزًا في نفسه فقيل لهم فأتوا بسورة من مثله يعني: مع إنسان أمي مثل محمد - صلى الله عليه وسلم - في عدم الكتابة والقراءة.
وأما قوله سبحانه وتعالى: {بِسُورَةٍ مِثْلِهِ} أي فأتوا بسورة تساوي سورة القرآن في الفصاحة والبلاغة وهو المراد بقوله {بِسُورَةٍ مِثْلِهِ} يعني أن السورة في نفسها معجزة فإن الخلق لو اجتمعوا على ذلك لم يقدروا عليه وهو المراد من قوله: {وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ} .) [1]
وبناء على ما سبق، أقول وبالله التوفيق:
فالآية الأولى: كانت (من) قبل كلمة (مثله) ، وذلك لأن سياق الآيات في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكيف أنه أميّ لا يقرأ ولا يكتب، ويستطيع الإتيان بمثل هذا الكلام، والتحدي واقع على كل من زعم أنه من كلام البشر السابقين، أو من اتهمه بالاستعانة بجن أو غيرهم، وهكذا يكون التحدي في شخص النبي - صلى الله عليه وسلم -، والبحث عن رجل أميّ مثله يستطيع أن يأتي بمثل ما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم -، فمن هنا للتبعيض، لتوضح هذه الجزئية من التحدي في التوصل إلى الإتيان بمثل هذا القرآن من رجل هذه أوصافه، وبالتالي كان وضع من في مكانها المناسب لسياق الآيات والله أعلم.
والآية الثانية: لم تأت (من) قبل كلمة (مثله) ، وذلك لأن سياق الآيات يقتضي ذلك، فالحديث هنا عن كلام الله تعالى، وكيف أنه معجز، وأنه من عند الله تعالى، وليس من كلام البشر، فالتحدي هنا أوسع وأشمل، وهو قائم على من
(1) علاء الدين علي البغدادي الشهير بالخازن، لباب التأويل في معاني التنزيل، دار الفكر ــــ بيروت، لبنان، 1399 هـ / 1979 م: (2/ 444) .