بهذا، فأنزل الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101) } [1] ، وهذا مبسوط في كتب التفسير ... فلما كان قد تقدم في سورة الزخرف ذكر آلهتهم وقولهم: {أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ} [2] ، يعنون المسيح، ناسبه ما أعقبه به من قوله تعالى حاكيًا عن المسيح عليه السلام: {إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ} ، فكأن قد قيل: هؤلاء غيره فأحرز (هو) هذا المعنى ولم يرد في آية آل عمران وآية مريم من ذكر آلهتهم ما ورد هنا فلم يحتج إلى الضمير المحرز لما ذكرناه.) [3]
وبناء على ما سبق، أقول وبالله التوفيق:
فالآية الأولى: جاءت الجملة فيها بدون الضمير المنفصل (هو) ، وهذا متوافق مع سياق الآيات في الموضعين، سواء في سورة مريم، أو في سورة آل عمران، وذلك لأنه لم يرد فيهما من ذكر آلهة الكفار وما كانوا يعبدونه من دون الله، مثل ما ذكر في سورة الزخرف، فلم تكن هناك حاجة إلى إضافة هذا الضمير، والذي يؤكد فصل هؤلاء الآلهة كما يزعم الكفار عن إله سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -، وبالتالي كان الحذف أو عدم الحاجة إلى الفصل في مكانه المناسب تمامًا والله أعلم.
والآية الثانية: جاءت الجملة مضافًا إليها ضمير الفصل (هو) ، وهذا متناسب مع ما ورد من أحداث وأخبار في الآيات، فعندما سمع كفار قريش ما ورد في الآيات، وأن الكفار وما يعبدون من دون الله هم حطب ووقودٌ لجهنم، استغلوا هذه الفرصة، وأخذوا يجادلون ويخاصمون، ويقولون: ما دام الأمر كذلك فلا ضير أن نكون معهم، وأنت تزعم يا محمد - صلى الله عليه وسلم - بأن الملائكة عباد مكرمون مقربون، لذلك كان الفصل ضروريًا لينقل إلى أذهانهم ويؤكد لهم
(1) السورة السابقة: (من الآية / 101) .
(2) سورة الزخرف: (من الآية / 58) .
(3) عبد الرحمن بن محمد القماش، جامع لطائف التفسير، بدون تاريخ: (13/ 291) .