فهرس الكتاب

الصفحة 185 من 356

جاء في كتاب (البرهان في توجيه متشابه القرآن) :( {مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا} وَفِي البَقَرَة والجاثية وَالروم {بَعْدَ مَوْتِهَا} لأَن فِي هَذِه السُّورَة وَافق مَا قبله وَهُوَ {من قبله} فَإِنَّهُمَا يتوافقان، وَفِيه شَيْء آخر، وَهُوَ أَن مَا فِي هَذِه السُّورَة سُؤال وَتَقْرِير، والتقرير يحْتَاج إِلَى التَّحْقِيق فَوق غَيره، فقيّد الظّرْف بِمن، فَجمع

بَين طَرفَيْهِ كَمَا سبق.) [1]

وبناء على ما سبق، أقول وبالله التوفيق:

فالآية الأولى: جاءت (من) مضافة إلى الجملة، وذلك لأنها ستضفي إلى المعنى زيادة في التقرير، وقوة في التأكيد، وذلك بناء على السؤال الوارد في سياق الآية {من نزّل} ، فهنا اتضح للقارئ حاجة التأكيد بعكس الحال في الآيات الأخرى، فليس في تلك المواضع ما يُلزم بهذه الإضافة التأكيدية، فكانت (من) في هذه الموضع، لها سر توضيح الزيادة والتقرير، وبالتالي جاءت في موقعها المناسب حسب سياق الآية والله أعلم، وقد يكون من أسرار إضافة (من) ، أنها تفيد التعقيب على الفور، فالإحياء المقصود في باقي الآيات بعد موت الأرض غير مشروط بالفورية، أما هنا فيراد به الإحياء بعد الموت مباشرة، وذلك من خلال السؤال الموجه لهم في الآية الكريمة، والذي يخاطب عقولهم، فكان من المفترض أن تهديهم عقولهم إلى أن الله تعالى هو القادر على إحياء الأرض من بعد موتها، وبالتالي تكون (من) في موقعها المتناسق مع المعنى والله أعلم.

والآية الثانية: جاءت الجملة فيها بدون (من) ، وهي في ما تبقى من الأمثلة المذكورة في القرآن الكريم، وذلك لأن الموضع فيها لا يحتاج إلى تأكيد أو بيان، وهذا يتضح من خلال سياق الآيات، لعدم ورود التحدي أو السؤال، فكان التناسق بينهم والله أعلم، فيكون المعنى هنا محتملًا للبعدية القريبة أو البعيدة والله أعلم.

(1) محمود بن حمزة الكرماني، البرهان في توجيه متشابه القرآن: (1/ 200) مرجع سابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت