فهرس الكتاب

الصفحة 193 من 356

وجاء في كتاب (درة التنزيل وغرة التأويل) : (إن قوله:(ما تعبدون) معناه: أيّ شيء تعبدون، وقوله:"ماذا"في كلام العرب على وجهين: أحدهما: أن تكون"ما"وحدها اسمًا، و"ذا"بمعنى الذي، والمعنى: ما الذي تعبدون، و (تعبدون) صلة لها. والآخر: أن تكون"ما"مع"ذا"اسمًا واحدًا بمعنى: أيّ شيءٍ، وهو في الحالين أبلغ من"ما"وحدها، إذا قيل: ما تفعل؟ فـ (ما تعبدون) في سورة الشعراء إخبار عن تنبيهه لهم، لأنهم أجروا مقاله مجرى مقال المستفهم فأجابوه وقالوا: {نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (71) } [1] ، فنبّه ثانيًا بقوله: { ... هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) } [2] ، وأما: (ماذا تعبدون) في سورة الصافات فإنها تقريع، وهو حال بعد التنبيه، ولعلّهم إذا علموا بأنه يقصد توبيخهم وتبكيتهم لا يجيبون بإجابتهم في الأول، ثم أضاف تبكيتًا إلى تبكيت، ولم يستدع منهم جوابًا فقال: {أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (86) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (87) } [3] فلما قصد في الأول التنبيه كانت"ما"كافية، ولماّ بالغ وقرّع استعمل اللفظ الأبلغ، وهو"ماذا"التي إن جعلت"ذا"منها بمعنى"الذي"فهو أبلغ من"ما"وحدها. وإنْ جُعلا اسمًا كان أيضًا أبلغ وأوكد من"ما"إذا خلت من"ذا".) [4]

وبناء على ما سبق، أقول وبالله التوفيق:

فالآية الأولى: استخدم فيها (ذا) بعد (ما) ، زيادة على الآية الأخرى، وهي هنا في مكانها المناسب، لأنها زيادة في التقريع والتوبيخ، فالأسلوب هنا ازداد شدة وغلظة، بعكس الحال في الآية الثانية، وبالتالي كان استخدام اللفظ بهذه الطريقة، لأنه لم يكتف فيه بالتنبيه فقط، بل زاده بالتقريع دون طلب الإجابة منهم،

(1) سورة الشعراء: (من الآية / 71) .

(2) السورة السابقة: (من الآية / 72) .

(3) سورة الصافات: (الآيتان / 86، 87) .

(4) الإسكافي، درة التنزيل وغرة التأويل: (1/ 965، 966) مرجع سابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت