وأما قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (42) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ (43) } [1] ، فهو في كل الكفار الذين يستمعون مسموعًا هو حجة عليهم، وهو القرآن ولا ينتفعون بسماعه، فكأنهم صم عنه.
فلما كانت من تصلح للواحد فما فوقه، ويجوز أن يعود الضمير إلى لفظه وهو لفظ الواحد وإلى معناه، وهو ما يراد به من الواحد أو اثنين أو ثلاث، واختلف هذان المكانان في القلة والكثرة حملت في موضع القلة على حكم اللفظ، وعاد الضمير إليها بلفظ الواحد فقال: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} ، وفي موضع الكثرة على حكم المعنى، وعاد الضمير إليها بلفظ الجمع، فقال: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} ، ليفاد بالاختلاف هذا المعنى، فلم يصلح في كل مكان إلا اللفظ الذي خصه مع القصد الذي ذكرت.
فإن قال قائل: فعلى هذا وجب في الاختيار: ومنهم من ينظرون إليك، لأنهم الأكثرون كالمستمعين؟ قلت: إن المستمعين لما كانوا محجوجين بما يستمعون من القرآن كانوا الأكثرين في الحجاج، وليس كذلك المنظور إليه، لأن الآيات التي رئيت بالعين لم تكثر كثرة آيات القرآن التي سمعت بالآذان، فباين السامعون الناظرين في الكثرة عند الحجاج، فلذلك عاد الضمير إليهم بلفظ الواحد.) [2]
وبناء على ما سبق أقول وبالله التوفيق ومنه السداد:
فالآية الأولى: وردت فيها صيغة الفعل بالإفراد، وهي في مكانها المتناسب مع السياق، لأن الآيات فيه تتحدث عن فئة قليلة من البشر، أو مجموعة ضئيلة من الناس، كانت تترصد للنبي - صلى الله عليه وسلم - وتستمع إلى قراءته لتعرف مكانه، وتحذر منه
(1) سورة يونس: (الآيتان / 42، 43) .
(2) الإسكافي، درة التنزيل وغرة التأويل: (2/ 503 ـ 507) مرجع سابق.