منفيًا، ولأن جدالهم ينبئ أنهم توهموا أن ذلك علم، وأنهم على شيء، فقد حصل من مجادلتهم أنهم يظنون أنهم على علم، كما قال تعالى: {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ} [1] ، ولا يجادل إلا متعلق بشبهة يظن أنها علم، فناسبه قوله تعالى مخبرًا عنهم: {بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} ، لاشتراك لفظ وجد إذ يكون بمعنى العلم.) [2]
وبناء على ما سبق، أقول وبالله التوفيق:
فالآية الأولى: تم فيها استخدام الفعل (ألفينا) ، وذلك لتوافقه مع المعنى المقصود، حيث إنهم لا يعلمون علمًا، ولا يفقهون شيئًا، سواءً كان ذلك حقيقة أو وهمًا، وسواءً أقروا به أو لا، وهذا المعنى الذي يفيده هذا الفعل، فهو يستعمل في الأمور المادية دون المعنوية، ويبعد استخدامه في أفعال القلوب، كما في قوله تعالى: {وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ} [3] ، وسياق الآيات يؤكد ذلك، فكان الفعل في مكانه المتوائم مع معنى الآيات والله أعلم.
والآية الثانية: تم فيها استخدام الفعل (وجدنا) ، وذلك لتناسبه مع سياق ومعنى الآيات الكريمة، لأنه يستخدم في أفعال القلوب غالبًا، فهم في هذا الجواب يوضحون أن لديهم علمًا، ظنًا منهم وتوهمًا، ولا يهمنا هنا إن كان كلامهم موافقًا للحقيقة أو مخالفًا لها، فيكون اللفظ في هذه الحالة مناسبًا، ويقوي ذلك المعنى ما جاء بعدها {أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} [4] ،
(1) سورة المجادلة: (من الآية / 18) .
(2) أحمد الغرناطي، ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل: (1/ 56) مرجع سابق.
(3) سورة يوسف: (من الآية / 25) .
(4) سورة لقمان: (من الآية / 21) .