ليناسب ما قصد من هذا أن يعبر بلفظ أو فارقوهن لأن لفظ الفراق أقرب إلى الإساءة منه إلى الإحسان فعدل إلى ما يحصل منه المقصود مع تحسين العبارة وهو لفظ التسريح فقال تعالى: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} وليجري مع ما تقدم من قوله تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [1] ، وقيل هنا {بِإِحْسَانٍ} ليناسب ما به تعلق المجرور من قوله {أَوْ تَسْرِيحٌ} وقد روعي في هذه الآي كلها مقصد التلطف وتحسين الحال في المحبة والافتراق ولما لم يكن في سورة الطلاق تعرض لعضل ولا ذكر مضارة لم يذكر ورود التعبير بلفظ {أَوْ فَارِقُوهُنَّ} عن الانفصال ووقع الاكتفاء فيما يراد من المجاملة في الحالين بقوله {بِمَعْرُوفٍ} وبان افتراق القضيتين في السورتين، وورود كل من العبارتين على ما يجب من المناسبة والله أعلم.) [2]
وبناء على ما سبق، أقول وبالله التوفيق:
فالآية الأولى: توافق فيها استخدام لفظ {سَرِّحُوهُنَّ} ، وهو يوحي بالرفق واللين، واللطف والحنان، والبعد عن الشدة والقسوة، والجفوة والغلظة، وهذا كله متناسب مع سياق الآيات قبله، فعموم الآيات تحث على عدم الإساءة أو الإضرار، وترغب في إقامة شرع الله تعالى مع التلطف، وهذا كله ما لم يصدر من الزوجة إساءة أو مبرر للمضارة بها، فكان لفظ التسريح هو المتلائم مع المعنى العام للآيات والله أعلم بمراده.
والآية الثانية: تناسب فيها لفظ {فَارِقُوهُنَّ} ، وهو يوحي بشيء من القسوة والشدة، وذلك لأن الآيات بعمومها لم تتحدث عن طيب المعاملة معهن، ولم
(1) سورة البقرة: (من الآية / 229) .
(2) أحمد الغرناطي، ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل: (1/ 67) مرجع سابق.