وجاء في كتاب (التحرير والتنوير) : (ومعنى الاستهزاء تقدّم عند قوله تعالى: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} [1] في سورة البقرة. وهو مرادف للسخرية في كلام أئمّة اللغة، فذكر {استهزئ} أولًا لأنّه أشهر، ولمّا أعيد عبّر بـ {سخروا} ، ولمّا أعيد ثالث مرّة رّجع إلى فعل {يستهزئون} ، لأنّه أخفّ من(يسخرون) . وهذا من بديع فصاحة القرآن المعجزة.) [2]
وبناء على ما سبق، أقول وبالله التوفيق:
فالموضع الأول: جاء فيه لفظ الاستهزاء، وهو في مكانه المناسب تمامًا، وخاصة عندما تكرر مرة ثانية في آخر الآية، حيث إن الاستهزاء يفيد السخرية، ولكنه أشد منها رتبة، وأعظم منها درجة، لذلك كان استخدامها في المرة الأولى، فقد أوحى الله إلى نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - أن الأنبياء قبله نالهم من السخرية والاستهزاء الشديد، وذلك ليخفف عنه ألمه ومصابه، وبالتالي كانت اللفظة في مكانها المتوافق مع الآيات، وأما الموضع في آخر الآية فقد أوضح أن عاقبة السخرية المتكررة، وعدم المبالاة بوعيد الله وعقابه كما حل بالأمم السابقة، فسيكون جزاؤه مثل جزاء المستهزئين السابقين، فكان اللفظ في موقعه المتلائم مع الآيات والله أعلم.
والموضع الثاني: جاء فيه لفظ السخرية، وهو يفيد الاستهزاء أيضًا، لكنه أخف منه درجة، وأقل منه منزلة، وهو متشابه مع الاستهزاء في زاوية، وذلك في تقارب المعنى، وكان استخدامه متوافقًا مع المعنى المراد، حيث يحذر ربنا جل وعلا من أي سخرية أو استهزاء، أيًا كانت رتبتها وطريقتها، ومهما كانت خفيفة أو ضئيلة، ليبتعد كل واحد عن مثل هذا التصرف الذميم، وكيف أن هذا التصرف لو استمر
(1) سورة البقرة: (من الآية / 14) .
(2) ابن عاشور، التحرير والتنوير: (7/ 147) مرجع سابق.