فَلَا يَقْرَب الحَرَام , أَمَا إِذَا كَانَ يَعْتَقِد أَنَّ الأَمْر فِيهِ وَاسِعْ وَالأَمْرُ فِيهِ اجْتِهَاد مِثْلُ مَا يَقَعُ فِي كَثِيرٍ مِن الأَشْيَاءِ المسَائِل الاجْتِهَادِيَّة التِي يَخْتَلِفُ فِيهَا العُلَمَاء وَلَم يَتَّفِق عَلَيْهَا العُلَمَاء فَإِنَّهُ لَوْ حَضَر فِإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِك لِأَنَّهُ يَعْتَقِد أَنَّ هَذَا مُحَرَّمٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَلَا هُنَاكَ دَلِيلٌ وَاضِحٌ فِي المسْأَلَة , أَمَّا إِذَا كَانَ هُنَاكَ مُحَرَّمٌ وَاضِحٌ وَمُنْكَرٌ ظَاهِر وَأَدِلَتَهُ ظَاهِرَة فَلَا يَحْظُر إِلَّا بِقَصْدِ الإِنْكَار , وَإِذَا أَنْكَر وَلَم يُغَيَّر المنْكَر وَجَبَ عَلَيهِ مُفَارَقَةُ هَذَا المكَان , لِأَنَّ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لِمْ يَسْتَطِع فَبِلِسَانِهِ فِإِنْ لَمْ يَسْتَطِع فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيْمَان» رَوَاهُ الإِمَام مُسْلِم رَحِمَهُ الله تَعَالَى فِي صَحِيحِه مِن حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِي.
بَعْضُ العَامَّة يَعْتَقِد أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْظُر [1] المنُكْرَ إِذَا أَنْكَرَ بِقَلْبِه , وَهَذَا لَا أَصْلَ لَهُ وَلَم يَقُل بِهِ أَحَدٌ مِنَ العُلَمَاء , فَإِنَّهُ إِذَا وُجِدَ المنْكَر وَمَا اسْتَطَاعَ أَنْ يُغَيِّر بِيَدِهِ وَلَا اسْتَطَاعَ أَنْ يُغَيِّر بِلِسَانِه فِإِنَّهُ لِا يِكْفِي أَنْ يُنْكِر بِقَلْبِه وَهُوُ جَالِسٌ فِي هَذَا المكَان يَجِبُ عَلَيْهِ مُفَارَقَةِ هَذَا المكَان, إِنَّمَا يُعْذَر الرَّجُل إِذَا أُكْرِه عَلَى البَقَاء فَهَذَا يُنْكِر بِقَلْبِه ويُعْذَرُ بِذَلِكَ , أَمَّا إِذَا مَا أُكْرِه عَلَى البَقَاء وَأَعْلَمُ أَنْ فِي هَذَا المكَان مُحَرمًا وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُغَيِّر بِاللَّسَان وَلَا بِاليَدِ فِإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيَّ مُفَارَقَة هَذَا المكَان , وَالإِنْكَار بِالقَلْبِ لَا يُجْزِئ وَلَا يَنْفَعُ , لِأَنَّ الإِنْكَارُ بِالقَلْبِ وَاجِب وَلَوَ كُنْت خَارَجُ المكَان فَكَيْفَ إِذَا كُنْت دَاخِل المكَان , فَإِنَّ مَن لَم يُنْكِر بِقَلْبِهِ هَذَا لَا إِيْمَانَ لَهُ , فَإِنَّ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «فَمَن جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِن , وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِن, وَمَن جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِن وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيْمَانِ حَبَّة خَرْدَل» رَوَاهُ الإِمَام مُسْلِم رَحِمَهُ الله تَعَالَى فِي صَحِيحِه مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الله بن مَسْعُود رَضِي الله عَنْهُمَا.
(1) بالظاء أم بالضاد؟