فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 719

والمسلمون عندما أتصلوا بغيرهم وعرفوا الفلسفة الإغريقية مثلًا، منهم من سحقته هذه الفلسفة الوافدة، فقبلوا حتي بعض الذي يصادم نصوصًا شرعية قاطعة، وبعضهم أوصد الباب تمامًا بالضبة والمفتاح وقالوا من تمنطق فقد تزندق، ومنهم من نظر نظرًا حكيمًا، وهؤلاء تفاوتوا أيضًا في النظر منهم من ابتدأ بالقرآن الكريم والحديث الشريف واللغة العربية وهكذا حتى استوى عوده ونظر في هذه الفلسفة الوافدة، ومنهم من كرس جهدًا كبيرًا لمعرفة هذا الذي وفد وأصبح فيه كأنه من أهله، ثم من بعد رأي أن يرجع للكتاب والسنة، وأضرب مثلين لذلك، المثل الأول لشيخ الإسلام ابن تيمية الذي نظر في المنطق الإغريقي وهدم ما لا يتسق مع الفكر الإسلامي الصحيح بعد أن صار عنده أساس متين، والإمام أبو حامد الغزالي ابتلع الفلاسفة وألف كتاب مقاصد الفلاسفة وكانت بضاعته في الحديث مزجاة فرجع إلي الحديث وحاول أن يتقيأ الفلاسفة فلم يستطيع فبقيت منهم رواسب عالقة في الذهن ومات والبخاري على صدره ، وكفّر الفلاسفة لأنهم قالوا بقدم العالم وقالوا بأن الأجساد لا تبعث وقالوا أن الله يعلم علمًا كليًا ولكنه لا يحيط بالجزئيات وألّف كتاب تهافت الفلاسفة وكان يشير إلى إبن سينا والفارابي ومن سلك سبيلهما لأن تأثيرهما بالفلسفة كان اكبر مما يجب فقد جاهدا جهادًا كبيرا ليوفقا بين ما سموه بالحكمة ويعنون به الفلسفة وبين الشرع، بين المعقول والمنقول ، مع أن الأصل أن أي شئ لا يتفق مع ما عندنا من الحق فهو دبر الإذن وتحت القدم، وسموا أرسطو المعلم الأول وعنده ما عنده من هرطقات كنظرية المحرك الذي لايتحرك وأن الله تعالي خلق الخلق ولم يتحرك مع أن الله تعالي يقول (وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ) (المؤمنون:17) ، وأصلًا معرفة ما وراء الطبيعة لاتتم إلا عن طريق الوحي لأن هذه لا تخضع للتجربة. ورغم التقدم الهائل في مجال التكنولوجيا والعلوم الطبيعية، لكن الجوانب الإنسانية لم يكن لها حظ من التقدم والازدهار، فالمرء الذي لا يدرك أن هذا الإنسان ذو أبعاد روحية وجسدية ونفسية لا يمكن أن تطلق عليه مثقف، والذي يظن أن التقدم التقني تقدم في كل المجالات لا يمكن أن نطلق عليه مثقف والذي يظن أن هذا العالم وجد بمحض الصدفة وانبثق عنها هذا العالم المنتظم لا يقال عنه عاقل فضلًا عن أن يقال عنه مثقف فالعربي البسيط الذي قال إن البعرة تدل على البعير والسير يدل على المسير بفطرته اهتدى للذي لم يهتد إليه المثقفون المدعون، والطبيعة لا تخلق شيئًا وهي نفسها مسخرة ومذللة، وأعني أن النواحي الفلسفية تدخل في موضوع الثقافة دخولًا مؤثرًا وتحتاج إلى إطار تعمل فيه.

ومن الناس من بهرته الحضارة الغربية وشلّت تفكيره فأراد للناس أن يتبعوها اتباعًا أعمي في كل ما تأخذ وتدع ونحاكي أساليبهم في كل شئ ، نأخذها بحلوها ومرها وبما يمدح فيها وما يذم فهذا نظر إنسان مشلول، ومنهم من أوصد الباب حتى لا يستفيد من معطيات العصر من أدوات وأجهزة، فعندنا من كان يستنكر استعمال المايكروفون مثلًا في المساجد والتعامل مع الأجهزة الحديثة، فهذه أدوات وأجهزة محايدة في نفسها وإنما تخرج ما يدخل فيها فإذا جاء إنسان صالح يمكن أن يحول هذه الأدوات إلى أدوات نافعة والعكس بالعكس.

من أخطر أنواع الغزو-برأينا - الغزو الثقافي لأنه يبدل المفاهيم والقيم ويستلب الإرادة والفكر فما هي حقيقة الغزو الثقافي وخطورته؟ وكيف نواجهه؟

د. الحبر يوسف: هذه الأمة مهما نزلت بها من كوارث وأحاطت بها من مصائب فإنها لن تُستأصل، وستكون هنالك طائفة قلت أو كثرت ضعفت أو قويت على الحق ظاهرة لا يضرهم من خذلهم، فهناك دعاة إلى الله مازالوا يلتمسون الحق في كتاب الله عز وجل وفي سنة الرسول صلي الله عليه وسلم على مناهج قوية وطبعًا هنالك أعداء، لذلك هنالك مجاهدة ومدافعة ( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ ) (البقرة: من الآية251) فالمهزومون نفسيًا أمام الغرب والشرق سيحاولون جاهدين أن يصدوا عن سبيل الله ويبغونها عوجًا، ويلقون التهم على الصالحين والبرآء من الناس وهي اتهامات خاوية كالتخلف الفكري وأنهم مانالوا حظًا من ثقافة ولا نصيبًا من علم لاختلال المقاييس عندهم، ومن الناس من يحاول أن يبدل معاني المصطلحات كمصلح التجديد وهو مصطلح شرعي ففي الأمة مجددون وغرباء يصلحون ما أفسد الناس، لكن كلها مصطلحات تملأ بمضامين ومعانٍ تبعدها عن محتواها.

هناك موجات ضخمة من البث الفضائي الهائل وتدفق إعلامي وافد ضخم وكبيرـ كيف برايكم يمكن أن نواجه هذا؟

د. الحبر يوسف: إذا قابل الإنسان الوافد عن طريق الفضائيات والاتصال بقلب فارغ وعقل خاوٍ، يصبح كالريشة في مهب الريح، لكن من يقابله بعقل ناصح وقلب سليم يمكن أن يستفيد، وبعض الناس يقولون نأخذ الحضارة ككل وهذا ليس صحيح فالإنسان لديه ملكة التمييز ويجب أن يكون لديه العقل النافذ.

والأمة إذا كانت مستضعفة بمعني وجود قوة مادية أكبر منها، فيمكن للأمة المستضعفة إذا كانت تتحلى بالقوة الروحية وتمتلك المبادئ والقيم يمكن لها أن تؤثر علي القوة الغالبة، وحدث هذا في التاريخ، فالتتار كانوا قوة عسكرية ضاربة واستطاعوا أن يخرّبوا ويهدّموا، لكن بالمعاشرة والمخالطة اسلموا بعد ذلك.

والآن إذا كنا متفوقين من ناحية فكر على الأمريكان وغيرهم، يمكن باتصالنا بهم أن نحوّلهم، يعني بوش مثلًا كان يتصل به بعض القساوسة وربما بعض اليهود ولو حدث أن كانت له لقاءات مع مسلم له قدراته الفكرية والبيانية يمكن أن يكون له تأثير أكبر، لأن الإ

تبًّا له ثم تَبّ

لما بَعَثَ الله نبيّه صلى الله عليه وسلم إلى الناس .. وكانت بعثه إلى الناس كافة .. حَرِص رسول الله صلى الله عليه وسلم على إنقاذ البشرية من التِّيه والضلال الذي ترسف فيه ..

كما حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على إنقاذ البشرية من النار ..

تمثّل ذلك الحرص في دعوة الناس ليلا ونهارًا .. سِرًّا وجهارًا ..

وتمثّل ذلك الحرص في دعوة كل الناس ..

فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود والنصارى ..

وأرسل الرُّسُل والْكُتُب إلى الرؤساء والزعماء ..

تمثّل ذلك الحرص أن يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على طفل يهودي يُصارِع المرض .. يوشك على مفارقة الحياة ..

يَهتم به عليه الصلاة والسلام .. يَعتني به .. يَعرض عليه الإسلام: أسْلِم .. فَيَلْتَفِتْ الصبي إلى والده .. كأنه يستأذنه .. ولما كان والده يعرف حقيقة ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: أطِع أبا القاسم .. فيتشهّد الطفل ويشهد شهادة الحق .. ثم يموت !

فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فرحا مُستبشرًا وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار . كما في صحيح البخاري .

وكما حَرِصَ رسول الله صلى الله عليه وسلم على دعوة الأباعِد فقد حَرِصَ على دعوة الأقارب .. فَدَعَا قومه ورهطه .. فصاح بهم يومًا على الصفا وهو بمكة ، فجعل يُنادي:

يا بني فهر.. يا بني عَدي - لبطون قريش - حتى اجتمعوا ، فجعل الرَّجُل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو ، فجاء أبو لهب وقريش ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تُريد أن تغير عليكم ، أكنتم مُصَدِّقي ؟

قالوا: نعم ، ما جَرّبنا عليك إلا صِدقا .

قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت