فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 719

نتيجة لأن التغريب قد حوّل الثقافة العربية إلى نوع من التقليد والمحاكاة، والترويج للتيارات الوافدة، فلا عجب أن تظهر مثل هذه الدعاوى، وأن يُسوّق لها تسويقًا فذًّا، ولكن الحقيقة على خلاف ذلك، فحضارتنا ثرة معطاء، تتميز بما رموها به، من وجود مرجعية ثابتة متمثلة في الوحي، وهذه المرجعية تصنع جوانب الحضارة كلها دون استثناء، وتطلق الطاقات، وتشجع على الإبداع، في حدود صلاح الناس على الأرض، فنجد على سبيل المثال أن الفن الإسلامي قد أبدع في الزخرفة التي تعتمد على المنحنيات وتتحاشى الأشكال المستقيمة للبعد عن الأشكال الموحية بالصلبان، كما ابتعدت عن رسم ذوات الأرواح.

والمتأمل في تاريخ الحضارة الإسلامية، يرى كيف أن الشريعة أوجدت الإبداع والإضافة والتطوير حتى قدّمت لنا بديلًا مبهرًا للأوروبيين الذين يعانون من الفراغ الشديد، والذين يصورون لنا ـ مثلًا ـ بعض الوثنيات الإفريقية أو الهندية على أنها فن وحضارة، وهم يدركون جيدًا أن الإسلام وأمته هما اللذان يشكلان بديلًا حضاريًا يمكن أن يجتذب ويحتوي القطاع الأوسع من البشر؛ لأنه أقرب إلى الفطرة والعقل والإدراك، إلى جانب القوة الضخمة التي يتيحها له الميراث الحضاري.

د/جمال عبد الهادي:

لماذا يريدون لنا أن نُقصي الدين عن كل شيء؟ إن مسألة الدين قد أصبحت مسألة جوهرية للغاية في تشكيل وصياغة هويات الشعوب اليوم، وهذا ما يعترف به الغرب نفسه، والقضية تاريخية قديمة، ولكن الغرب لم يدركها في وقت كما أدركها اليوم، يقول (هنري بيرانجيه) : (إن مسألة الدين أهم ما يشغل العالم المتدين اليوم؛ لأن مستقبل الأمم المتحضرة يتوقف على حلها) ، ولكن الواضح أن الذي أصبح يواجه الحل الإسلامي اليوم ليسوا هم وحدهم، وإنما أناس من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا؛ سواء في تركيا أو في الجزائر أو في غيرهما.

د/مصطفى حلمي:

يخشى الغرب مما يسميه الحركات الأصولية، التي تمثل بعثًا جديدًا للهوية الإسلامية؛ إذ إنها في حالة صعود مقلق بالنسبة لهم؛ بل يعترفون أن الجماهير العربية التي أثرت فيها الحركات الإسلامية الشائعة اليوم، كانت ناصرية أو بعثية منذ عشرين سنة، وتخلت عن هويتها المصطنعة من التراث والحداثة بعد أن شعرت بضعفها، وعادت إلى هويتها الأصيلة من جديد.

وهذا يمثل خيبة أمل غربية من جراء نجاح هذه الحركات في إفساد جهد السنين من محاولات التغريب الكامل للمجتمعات المسلمة، وهذا لا يعني أننا متملكون من الأمر، أو أننا لا نواجه أخطارًا جسامًا، فالأخطار ما زالت محدقة ذات أفنان، ونحن أقدر على تجاوزها بعون الله بشرط التمسك بهويتنا، كما قال ـ تعالى ـ: (( ...وَإن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ) ) [آل عمران: 120] .

نقاط على الطريق..

? هذا يجعلنا نعود إلى قضية البعث الإسلامي الحضاري الجديد والحديث عنه.

د/مصطفى حلمي:

من أعجب ما قرأت في قضية الحضارات وبعثها تقسيم المؤرخ (أرنولد توينبي) الحضارات إلى حضارات (متحجرة) كاليهودية، و (نائمة) كالحضارة الإسلامية، ويقول: (لا بد للنائم أن يستيقظ) ولعل من المبشرات قيام إسرائيل؛ لأن قيام الحضارات يخضع لفكرة (التحدي والاستجابة) لأن الحضارة تقوم عندما توجد ظروف صعبة جدًا في مجتمع ما فيتحدى تلك الظروف لتقوم الحضارة وتنجح وتتغلب على المعوقات.

وهذا ما توصل إليه (توينبي) الذي حذر من قيام إسرائيل في وسط العالم الإسلامي، لا لحبه الإسلام، ولكن لخوفه من وجود خطر يوقظ (المارد النائم) ، بناءً على القانون الذي فسّر به قيام الحضارات، أي: (التحدي والاستجابة) ، أو بتعبير الشيخ (أبي الحسن الندوي) : (حركة المد والجذر الحضاري) ، خلافًا للغرب الذي يرى أن الحضارة تسير في خط مستقيم منطلق دون تعثر، وأن آخر مراحله هي النظام العالمي الجديد، أو ما يعرف بالعولمة.

ولا شك أن انتشار الإسلام وتمدده داخل ديارهم، ودخول عدد من الصفوة من أمثال (هوفمان) و (محمد أسد) ، يدل على قدرة الإسلام على الانتشار حتى في ظل الصعاب، والمستحضر لكمّ المؤامرات والمخططات التي مورست، وتمارس ضد المسلمين ودينهم، لا يشك لحظة ـ بمقاييس البشر ـ في زوال الإسلام، ولكن تلك طبيعة العقل الغربي الملحد الذي انزعج بشدة عندما استيقظت الأمة من جديد.

? نعود لقضية التعليم والإعلام لنرسم دورها في العلاج.

د/جمال عبد الهادي:

الهدف من التعليم والإعلام في الإسلام هو: تربية الشعوب وتثقيفها على أساس العقيدة والقيم التي تعتقدها، ونقل المعارف العلمية مجردة غير مشوبة بقيم الآخرين وأساليب حياتهم؛ لأن الله جعل لكل أمة شرعة ومنهاجًا، لذلك فإن المهمة الكبرى للتعليم والإعلام؛ هي (البناء) لا (الهدم) ، وتهذيب السلوك وليس إثارة الغرائز، أو مجاراة العادات والميول الفاسدة للناس وإن كانوا أغلبية.

إن منظومة التعليم والإعلام لا بد أن تكون منظومة قوية مؤثرة، وإلا فإن الناس سوف ينفضّون عنها؛ لأن هناك من الوسائل البديلة عنهما في الوقت الحاضر ما لا تعجز عن ابتكاره القرائح.

وقد يدفع الفضول معظم الناس إلى متابعة الغث مما يعرض عليه، ثم لا يلبثون أن يعودوا إلى الحق أو يثوبوا إلى رشدهم؛ لأن الحق باقٍ لا يبطله شيء.

? قضية الهدي الظاهر باعتباره معبّرًا عن العقيدة ومظهرًا للانتماء، تحتاج إلى عناية خاصة من القائمين على أمر هذا الدين، والحريصين على الهوية الإسلامية، ولا شك أن قضية التغريب والحرب على الهوية الإسلامية قد صاحبتها دعوة إلى تقسيم الدين إلى مظهر وجوهر، بحيث يتخلى الناس عن المظهر بحجة أن الجوهر كافٍ، ولا شك أن هذه الدعوى لها مخاطرها.

الشيخ /محمد بن إسماعيل:

هذه الدعوة ظاهرها فيه الرحمة وباطنها العذاب، وقد انطلت على كثير من السذج حتى صاروا يروّجون لها دون أن يدركوا أنها قناع نفاقي قبيح، وأنها من لحن قول العلمانيين الذين يتخذونها قنطرة يمرقون عليها من الالتزام بشرائع الإسلام دون أن يُخدَش انتماؤهم إليه.

وإذا كانت القضية تتوقف عند حَسَني النية من المسلمين المخلصين عند نبذ ما أسموه: (قشرًا) للتركيز على ما دعوه: (لبّا) ، ولكنها عند المنافقين الحريصين على اقتلاع شجرة الإسلام من جذورها مدخل لنبذ اللّب والقشر معًا، تمامًا كما يرفعون شعار الاهتمام بـ (روح النصوص) وعدم الجمود عند منطوقها.

ومع أن هذا كلام طيب إذا تعاطاه العلماء وطبقه الأسوياء؛ إلا أنه خطير إذا تبناه أصحاب العاهات الفكرية والنفسية والمشوهون عقديًا؛ إذ يكون مقصودهم حينئذ هو إزهاق روح النص بل اطّراح منطوقه ومفهومه، أو توظيفه بعد تحريفه عن مواضعه لخدمة أهدافهم الخبيثة.

إنهم يريدونه دينًا ممسوخًا كدين الكنيسة العاجزة المعزولة عن الحياة الذي يسمح لأتباعه بكل شيء مقابل أن يسمحوا له بالبقاء على هامش الحياة.

ولقد لفتنا سلفنا الصالح إلى أهمية التمايز الحضاري بالمحافظة على (قشرة) معينة تفترق بها أمتنا عن سائر الأمم، وهذه القشرة التي تحمي الهوية الإسلامية المتميزة هي ما أسماه علماؤنا رحمهم الله بـ: (الهدي الظاهر) ، وأفاضوا في بيان خطر ذوبان الشخصية المسلمة وتميعها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت