فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 719

المسؤول عن إيجاد الشخصية ذات الهوية الإسلامية والحفاظ عليها من التيارات الهدامة هم أولياء الأمور، وإذا كانت الدولة الإسلامية دولة عقدية؛ فإن الأمة لا بد أن تُربى على الإسلام، وإليه يُدعى الناس، وأولياء الأمور هؤلاء كلٌ بحسبه وحسب ما ولاه الله، ابتداءً من الحاكم، وانتهاءً بالأب في بيته، والمدرس في مدرسته، وعلى ذلك فإننا بحاجة لأن نستنفر طاقات الأمة لحماية هذه الهوية.

? بعد أن تشعب بنا الحديث في جوانب عدة، نحتاج لأن نجمل التحديات في طريق صعودنا نحو قمتنا الشماء (الهوية الإسلامية) ؟

د/ جمال:

يمكن أن نجمل أكبر التحديات التي تواجه الهوية في ثلاثة تحديات عظمى هي:

1-التحدي المنبعث من واقع المسلمين المتمثل في الانحراف العقدي والسلوكي، والجمود الفقهي، والإفساد الفكري.

2-التحدي المنبعث من داخل المجتمع الإسلامي نتيجة الاحتلال، ويتمثل في الشعوبية ونفوذ التبشير، ومناهج التربية والتعليم التي أخرجت الإسلام من قلب وعقل المسلم، وفتحت أمامه طريقًا لترسخ مكانه الأوهام والأهواء، عن طريق ربائب الغرب وصنائعه في بلادنا.

3-التحدي الخارجي، ويتمثل في الغرب ومناهجه ودعوته، ومِن ورائه الاستشراق والتغريب ليملأ الفراغ الذي تركته مخططات الاستعمار، في تفريغ التربية والتعليم من مضمونيهما، وتسطيح الأفكار والحقائق العلمية والتربوية في عالمنا الإسلامي، وقد تظاهرت الحركات الاستشراقية والتبشيرية على هذا العمل.

وفي رأيي أننا لو حسمنا التحدي الأكبر وهو الأول، نكون بذلك قد حسمنا قدرًا كبيرًا من المشكلة؛ لأن عداوة الغرب متحققة ومستمرة بنص القرآن: (( ... وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونََكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا... ) ) [البقرة: 217] واستطاعتهم مرهونة بشرط؛ هو ضعفنا نحن، ولأن سنة الله الماضية أن أعداءنا لا يتمكنون منا إلا بضعف منا أو تقصير: (( ...وَإن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ) ) [آل عمران: 120] .

لذا علينا أن نعالج المستوى الداخلي، ونعطيه أولوية، دون إغفال علاج باقي التحديات.

د/مصطفى حلمي:

القضية ليست في الهوية، ولكنها في الأمة الإسلامية نفسها؛ لأن منظري الغرب عامة، والأمريكيين على وجه الخصوص، يعلمون أن الإسلام هو (البديل الحضاري) القوي، الذي يمكنه دون غيره أن يملأ الفراغ الذي تعانيه الحضارة الغربية اليوم، بخلاف الأطروحة الصينية أو اليابانية، التي لا تقدم نموذجًا متكاملًا للحضارة.

هذه الحقيقة ملموسة رغم أنها تغيب عن كثير منّا، وقد اعترف بها غير واحد من باحثيهم، على سبيل المثال: (هانتنجتون) ، و (أرنولد توينبي) الذي توقع قدوم الإسلام، لعمق شعوره بأزمة الحضارة الغربية؛ حيث قال: (هناك مناسبتان تاريخيتان، أثبت الإسلام فيهما، أنه يستطيع أن يقود العالم: الأولى: على أيام النبي(صلى الله عليه وسلم) والخلافة الراشدة، والثانية: في الحروب الصليبية، عندما قام صلاح الدين بقيادة الأمة على أساس الإسلام)، وله نبوءة مستقبلية إذا حدث تغيرٌ على المسرح العالمي، فيقول: (سيعود الإسلام ليؤدي دوره من جديد، وأرجو ألا أرى ذلك اليوم) لذلك لا نعجب من إعلان حلف شمال الأطلسي: أن الخطر القادم هو الإسلام، ومن هنا يتضح أن الأمة مستهدفة لذاتها ولدينها.

أ/جمال سلطان:

الأمة الإسلامية هي التي تمتلك البديل الحضاري المتكامل والمتميز: ذات عقيدة صحيحة متوافقة مع الفطرة والكون.. كتاب محفوظ، وهي خصيصة لا مثيل لها عبر الزمان والمكان، وهي بالغة الأهمية، لدينا عمق حضاري بصورة مدهشة، والعجيب أن الأوربيين يدركون أكثر منا قدرالإمكانيات الحضارية للتراث الإسلامي!

د/جمال عبد الهادي:

بالنسبة للحضارة فأرى أن (الحضارة الإسلامية) هي التي يمكن أن نطلق عليها مصطلح: (الحضارة) ، بالمعنى الدقيق لهذا المصطلح؛ لأن الحضارة الغربية لا تُعتبر كذلك، وإنما نطلق عليها هذا اللفظ تجوّزًا؛ لما لديها من تقدم صناعي وتقني حديث، وإلا فإن مفهوم الحضارة يرمي إلى ما هو أبعد من التقدم التقني، يرمي إلى القيم التي تحكم الإنسان.

وإذا ما نظرنا إلى المشروع الغربي، وما ينبني عليه من تصوره لـ (حقائق الكون) ، و (الحياة) ، و (نظرته إلى الغير) ، بل وإلى (تعريفه لنفسه) وما يتفرع عن هذا التصور من قيم وأخلاق، فلا يمكن بحال أن نعتبر هذا المسخ الإنساني حضارة، وهم هناك يدركون مدى ما هم فيه من أزمة.

أ/جمال سلطان:

الجانب الحضاري له أهمية خاصة ومؤكدة في الحفاظ على الهوية؛ لأن العدو استطاع من خلال غزوه الحضاري لبلادنا أن يوجد نخبة ذات تبعية أمكن عن طريقها تعبيد النفوس لكل ما يقول، ابتداءً بالدين، وانتهاءً بمظهر اللباس وأسلوب الطعام والشراب، بعد أن نجح في تأهيله نفسيًا في أن يتقبل منه كل ما يقول.

ومن التجارب الواقعية البارزة في الدلالة على أهمية الجانب الحضاري لتنشيط هويتنا والانتماء إليها، ما حدث في البوسنة والهرسك والشيشان في فترة الحرب؛ إذ كان أفضل أسلوب يعمق الانتماء، هو إحياء الشعور بالانتماء الحضاري لأمة الإسلام، وكان هذا مدخلًا جيدًا لتصحيح العقيدة والسلوك والعبادات، لذلك فإن أهمية هذا الجانب تزداد الحاجة إليه بإلحاح في أطراف الجسد الإسلامي؛ لأنها أكثر تعرضًا للغزو.

وعليه فنقول: إذا كانت قضية مرجعية الكتاب والسنة تحظى بأولوية في الخطاب الدعوي في بلادنا العربية الإسلامية؛ كمصر أو اليمن أو الأردن ـ مثلًا ـ، فإن الجانب الحضاري لا بد أن يطرح بإلحاح على قائمة الخطاب الدعوي في أطراف الجسد الإسلامي.

? يدعي البعض أن جميع موروثاتنا الثقافية تعد جزءًا من هويتنا، وفي هذا الادعاء مغالطة مقصودة في بعض الأحيان، ومغبشٌ بها على البعض في أحيان كثيرة.

نرجو بيان ذلك من جهة الثقافة والتاريخ.

أ/ جمال:

مخطئ من يقرن بين إعادة نشر تراثنا الإسلامي الأصيل، وبين إعادة نشر الكتابات المنحرفة في التراث، من أجل إحيائها من جديد، على اعتبار أنها جزء من تراثنا، وجزء من هويتنا.

لأن هذه الكتابات جهد بشري، والجهد البشري فيه المنحرف والقويم، والمنحرف لا يعوّل عليه ولا يملك قداسة، بل هو مهدرٌ؛ لأنه مخالف لمرجعيتنا ومقاييسنا الثابتة، ونحن بحمد الله نملك وحدنا ثوابتنا القياسية التي يمكن من خلالها التفريق بين الأمور، التي تتمثل في أصول شريعتنا، والتي إن عزلناها فإن الأمور تبدو كلها نسبية.

أما التاريخ ـ باعتباره أيضًا من مقومات هويتنا ـ فهو مصبوغ بالكتاب والسنة، وكذا الثقافة والمعرفة، وهذا لا يعني عدم الاستفادة من باقي الثقافات؛ إذ يمكننا وفق أصولنا أن نستفيد منها بما لا يتعارض مع شرعنا؛ لأننا إذا كررنا فقلنا: إن خبرات الشعوب وتراثها هي المرجعية للهويات؛ ففي الحالة الإسلامية يمكن أن نعتبر أن هذه الخبرات مؤسسة على الكتاب والسنة هي مرجعيتنا في الهوية.

? ويدعي البعض أيضًا أن الحضارة الإسلامية حضارة متجمدة؛ لأنها مقيدة بالنصوص.

ولا شك أن هذه شبهة مدحوضة لكن الأمر يحتاج إلى تفصيل.

أ/ جمال سلطان:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت