فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 719

مع أن الحرب بين الفرنساوية وأهالي الجزائر إنما هي مجرد أمور سياسية ومشاحنات تجارات ومعاملات ومشاجرات ومجادلات، منشأها التكبر والتعاظم! ومن الأمثال الحكيمة لو كانت المشاجرة شجرًا لم تثمر إلا ضجرا"هكذا بكل بساطة يشخص لنا الشيخ رفاعة الطهطاوي سبب عدوان فرنسا على الجزائر!! فقراءة الأحداث بنفس مادي واضح في ثنايا كلمات الطهطاوي؛ فحرب فرنسا الصليبية للجزائر المسلمة مجرد أمور سياسية ومشاحنات ومعاملات تجارية!! هكذا حللت لنا قرحة الشيخ الطهطاوي أصل الداء؛ فأس المعضلة الفرنسية الجزائرية منشؤها التكبر والتعاظم!! فمن الذي يتكبر على من أيها الشيخ المبجل؟! فرنسا الدولة المعتدية المحاربة لبلد إسلامي أم شعب الجزائر الأعزل؟!"

والعجيب أن الشيخ رفاعة نقل لنا فرح وسرور الفرنسيين لدرجة أن رئيس حكومتهم أمر بإطلاق المدافع علامة الفرح والسرور... لماذا؟ لأن الملة المسيحية انتصرت على الملة الإسلامية!!

ويزيد الأمر وضوحًا أن الطهطاوي ذكر أن مطران باريس الكبير كان يقيم القداس وشكر الرب لانتصار الملة المسيحية على الملة الإسلامية!! ورغم هذا الوضوح نرى الشيخ يبعد النجعة! ويرجع الأمر إلى غير مراد أهله. وهنا كانت خطورة العلمنة والتفسير المادي للأحداث التاريخية.

ولعل قارئًا يتساءل وما علاقة الحكاية السابقة بالعلمانية؟ أقول إن الهدف من هذه الدراسة هو إماطة اللثام عن فكر شخصية يعتبرها اللادينيون (العلمانيون) رائدة من رواد النهضة العربية والإسلامية الحديثة ويضفي هؤلاء العلمانيون الجدد على هذه الشخصية مسوح القديسين وهالات التنوير والعقلنة وألقاب كثيرة بغية ارهاب الباحث وكأن رواد العلمانية أنبياء جدد!! وحيث إن العلمانية ليست شعارًا أجوف أو سفسطة جدلية محضة بل إنها حقيقة واقعية ضاربة جذورها في كافة المناحي الحياتية في أمتنا العربية والإسلامية رغم حداثتها نسبيًا.

لذلك نسلط الضوء على شخصية الطهطاوي لكونه رائدًا من رواد العلمانية المستوردة من المنظومة الغربية وذلك من خلال مؤلفاته وآرائه التي كانت اللبنات الأولى لدخول العلمانية في أقطارنا العربية والإسلامية.

والعلمانية ذلك السرطان الخبيث نجده يحاصرنا علي كافة المستويات فهناك علمانية حاكمة متسلطة: وهي أظهر أنواع العلمنة ونراها شاخصة في عالمنا العربي والإسلامي سواء تسربلت بنظام يطلق على نفسه أنه جمهوري أو ملكي..إلخ.

وهناك علمانية فكرية: وهي أخطر أنواع العلمنة إذا أنها تؤصل وتقعد للسلطة الحاكمة ولها منابر إعلامية وثقافية (إذاعة، تلفاز، مجلات، صحف، دور سينما، مسارح، مؤلفات، مراجع، منديات، قنوات فضائية..) وهناك علمانية اجتماعية: وهي نتيجة التقعيد السابق وثمرته وهي التي تعنى بالسلوك والأخلاق والآداب العامة والخاصة وقد أدت إلى تفسخ الروابط الأسرية وصدع المجتمعات العربية والإسلامية الحديثة.. فالعلمانية قد أحاطت بحياتنا وصارت عقبة كأداء أمام تقدم المسلمين وعودتهم لدينهم واستردادهم حقوقهم المغتصبة من شريعة وحكم وأرض وعرض..إلخ فهذه العلمانية شجرة خبيثة يجب اجتثاث جذورها كمطلب شرعي من حياة المسلمين ودفنها في مقبرة اللاعودة.

"والعلمانية كلمة اخترعها اللبنانيون من جذر (علم) أي الإعتماد على العلم وأن الدين خرافة ولاينسجم مع العلم، إذن يجب أن يفصل بين الدولة وبين الدين ومع حرية التدين لمن شاء""العلمانية هي فصل بين مجالين في حياة الإنسان: مجال الدنيا، وزينتها ومتعها، ومجال الصلة الخاصة بين الإنسان وخالقه."

هي: فصل بين سلطتين غير متجانستين: بين دين أو كنيسة... وسلطة زمنية أو دولة.

هي تفرقة بين (طاهر) وهو سر الله في الإنسان... و (نجس) وهو ما يمثل المادة وشرها في حياته.

والكنيسة كسلطة مسيحية تباشر أحوال الإنسان المسيحي فيما يتصل بعلاقته بربه: تباشره منذ ولادته إلى موته... ومنذ زواجه وانجاب الولد.. حتى يظل في رضاء الله. بينما الدولة والسلطة الزمنية تباشر شؤونه الإجتماعية في علاقته بالآخرين معه في المجتمع.. وشؤونه الإقتصادية في الملكية ومنفعة المال.. وشؤونه في المعاملات التجارية والزراعية والصناعية.

العلمانية فصل في كتاب الحياة الأوربية، عنيت به الخصومة بين الكنيسة والسلطة الزمنية، في المجتمعات الأوربية في محاولة لاستقلال كل منهما، أو في محاولة لمنع الإحتكاك بينهما، بعد الشد والتوتر في علاقتهما، طوال القرون الوسطى وسيادة حكم الكنيسة فيها.

ومفهوم الدين: هو ما يغطي حاجة الإنسان، كفرد في صلته بالله داخل مكان العبادة، أو في خارجها في الأسرة. ومفهوم السياسة: هو مايشتمل ما عدا ذلك الجانب في حياة الإنسان. والإنسان بذلك له جانبان: جانب ديني.. وآخر سياسي.. ولايتكلم في الجانب الأول، كما لايفصل فيه إلا (رجل دين) - بالمفهوم الكنسي - بينما لايمارس الجانب الثاني إلا (رجل دولة) .

ورجل الدين مطالب بأن لايقحم نفسه في مجال السياسة.. ورجل الدولة مطالب بأن لايقحم نفسه في مجال الدين، وقد يكون لكل منهما تأثير في مجال الآخر، ولكن هذا التأثير يبقى في الخفاء، ويظل من الوجهة الشكلية غير معترف به من الجانب الآخر. وعلى أية حال فالعلمانية، كما اتفق على مفهومها رجال الكنيسة والدولة معًا: فصل واضح بين تدخل أية من السلطتين القائمتين ـ سلطة الكنيسة، وسلطة الدولة ـ في مجال الأخرى، وشؤونها"وأود أن أؤكد أن لفظة (علماني) لايعني القائم بالعلم لامن قريب ولامن بعيد!"وإنما يعني التفكير المادي الذي لايؤمن إلا بالمحسوس ويستبعد المغيبات تمامًا من مجال بحثه، ولايسلم أصلًا بوجودها، ولقد ظهر المنهج المادي في الغرب كرد فعل للمنهج الروحي المستمد من المسيحية والذي يحط من قيمة المادة ويعلل الحوادث والأشياء بالمشيئة الإلهية وحدها، وينفي القول بالأسباب"أما الإسلام فهو دين حياة، دين ودولة.. لا يوجد في الإسلام فصل بين السلطتين الدينية والدنيوية كما هو مستقر في المفهوم الكنسي."

نلاحظ أن الذي أوصل الطهطاوي إلى هذا التأويل الفاسد والفهم السقيم هو انطلاقه من مقدمة مادية فاسدة فكانت النتيجة فاسدة بالتبعية لأنه كان أسير التفسير المادي للظواهر والأحداث التاريخية. هكذا بشر الطهطاوي الأمة الإسلامية بدين الغرب الجديد وبقوانين الغرب وأخلاقهم!! ونتيجة خلطة الطهطاوي لأهل فرنسا وعلمائها وانبهاره بقوانينهم وسلوكياتهم، نراه يتأثر بالتفسير المادي في قراءة الأحداث التاريخية، فلاعجب إذن أن ينظر الطهطاوي إلى اعتداء فرنسا على الجزائر من منظور مادي، فالخلافات التجارية والمشاحنات المالية مع التكبر والتعاظم هو سبب الإعتداء!! وتغاضى الطهطاوي عن الباعث الحقيقي للعدوان الفرنسي وأغفل الجانب العقدي وأسقط من قاموسه التحليلي الحرب المقدسة أو الجهاد في سبيل الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت