فهرس الكتاب
ومن قبل كانت تحارب المنظومة الغربية الشيوعية باسم دعوة المسيح!! فأي حضارة يبشرنا بها الشيخ رفاعة الطهطاوي!! فالطهطاوي جعل مرتبة أفضل الخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الأطهار أدنى من المرتبة الثالثة أي في مرتبة المتخلفين حضاريًا!! بمعنى أوضح مرتبة هتلر وبيتهوفن وماري أنطوانيت ورزفلت وبوش وغيرهم أفضل رقيًا وحضارة من مرتبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبقية الصحابة الأخيار طبقًا للمنظور الغربي!! والسبب في ذلك أن الصحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم من أجيال خيرية لم تكتمل عندهم درجة الرقي في أمور المعاش والعمران طبقًا للتقويم المادي لدى الطهطاوي!! ومن ثم فالمرتبة الثالثة: هي الأنموذج الأمثل.. لماذا؟"لأن جميع هؤلاء الأمم أرباب عمران وسياسات، وعلوم صنائع، وشرائع، وتجارات، ولهم معارف كاملة في آلات الصنائع والحيل على حمل الأشياء الثقيلة أخف الطرق"بناء على هذه المنطلقات والمفاهيم المنحرفة ظهرت كتب مثل"العظماء مائة، أولهم محمد صلى الله عليه وسلم"فالكتاب ظاهره المدح وباطنه القدح والإساءة لشخص رسول الله صلى الله عليه وسلم!! فهل يعقل أن أضع رسول الله مع مجموعة من المنحرفين والشواذ والساقطين وسفاكي الدماء وأقول هؤلاء أعظمهم محمد صلى الله عليه وسلم.. حاشا لمقام رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدنس ويوضع مع سفلة القوم مهما علت منزلتهم في أوطانهم.
كل ذلك بسبب التقويم المادي، والذي دفعهم إلى ذلك هو نظرتهم إلى شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم المجردة دون النظر إلى الوحي فشخصية الرسول عندهم الرجل المنتصر العبقري الذي اكتسح أتباعه العالم ونشروا تعاليمه... دون النظر إلى الوحي أو إلى أو إلى القيمة الأخلاقية فيستوي الرسول هنا في نظرهم مع نابليون وروميل جورج واشنطن!! ومن ثم ظهرت حمى المنهج التجريبي في بداية القرن المنصرم في المنطقة العربية والإسلامية.
ونرى ذلك واضحًا في كتاب"حياة محمد صلى الله عليه وسلم"لهيكل الذي تكلم عن شخصية الرسول القائد العظيم دون النظر إلى الوحي.. وانخدع البعض ببريق الألقاب فألف العقاد عبقرياته الشهيرة رغم أن العقاد أحسنهم في الدفاع عن الإسلام وعن قادته الأخيار.
واتسع الخرق على الراقع! وظهرت كتابات تطعن رمزًا وتصريحًا في شخص الرسول صلى الله عليه وسلم بل وفي رب العزة سبحانه وتعالى وملائكته المقربين مثل كتاب"أولاد حارتنا"لنجيب محفوظ و"آيات شيطانية لسلمان رشدي"وكتابات لبعض المغمورين الذين سطروا صحائف سوداء بأقلام حاقدة على الإسلام وأهله والقائمة طويل!! كل ذلك بسبب هذه المفاهيم العلمانية المستوردة لتقويم وتحليل الظاهرة الإنسانية من خلال مايسمى بالرقي المادي.
وفي هذا السياق يقول الدكتور محمد رشاد ردًا على الذين ينبهرون بهذه المفردات الغربية:"إن الإنسياق وراء هذا المفهوم - ونحن ننبه هنا أننا لاننكر الرقي المادي في إطار أخلاقي معين، ولانقلل من قيمته ـ يجرنا دون وعي إلى احتقار الجانب الأكثر قيمة في تاريخنا، إننا إذا طبقنا هذا الإصطلاح بمفهومه المادي على تاريخنا فسوف نسلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو خير الخلق، ونسلك أصحابه وهم خير جيل من البشر في عداد المتخلفين حضاريًا وذلك لأنهم عاشوا حياة بسيطة خالية من التكلف والتعقيد في المأكل والمشرب والمسكن وطرائق الحياة المختلفة، مع أننا انطلاقًا من مفهومنا الخاص للحضارة نتخذ من هذا المظهر دليلًا على سمو الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وعلى نبلهم وعظيم خلقهم."
إننا بهذا المفهوم لانسيئ إلى تاريخ الإسلام وحده وإنما نسيئ إلى تاريخ الإنسانية كلها؛ إذ نهدر بذلك قيمة أخلاقية قدرتها وأجلتها الإنسانية عبر تاريخها وفي جميع عصورها وفي مختلف أديانها، وهي قيمة الزهد في عرض الدنيا وأشيائها ومتعاها وأدواتها لا عن جهل بها، ولا عن عجز عن استعمالها، ولكن ادراكًا لقيمتها الحقيقية وهي التغير والزوال وإيثارًا لما هو أبقى، وهذه أعلى مراتب الإدراك، والقدرة على ضبط النفس، وهي أرقى مراتب الأخلاق. وإن علينا أن نستعيد ثقتنا في أنفسنا والتي فقدناها أمام ضغط الفكر الغربي والحضارة الغربية.
إننا إن فعلنا ذلك تخلصنا من أسر المصطلحات التي استعبدت عقولنا لحساب الغرب وحضارته. وهذه المصطلحات التي لاتمثل مقياسًا إنسانيًا شاملًا تقاس به الأفكار والمعتقدات والحضارات ـ كما يزعمون ـ وإنما تمثل وجهات نظر خاصة للأفكار والمعتقدات، والحضارات تمثل عقول مبتدعيها، وقد توافق الحق أو تخالفه فيما يتعلق بالآخرين.
لو ووثقنا في أنفسنا لتحررنا؛ ولو تحررنا لرأينا الأشياء على حقائقها، ولعرفنا أنفسنا على حقائقها"وتصداق ذلك ينقل لنا الطهطاوي صورة كاملة لمأكل وملبس الفرنسيس نختار منها:"أحضروا لنا عدة خدم فرنساوية لانعرف لغاتهم، ونحو مئة كرسي للجلوس عليها، لأن هذه البلاد يستغربون جلوس الإنسان على سجادة مفروشة على الأرض، فضلًا عن الجلوس بالأرض، ثم السفرة للفطور، ثم جاءوا بطبليات عالية ثم رصوها من الصحون البيضاء الشبيهة بالعجمية، وجعلوا قدام كل صحن قدحًا من القزاز وسكينة وشوكة وملعقة، وفي كل طبلية نحو قزازتين من الماء وإناء فيه ملح وآخر فيه فلفل، ثم رصوا حوالي الطبلية كراسي لكل واحد كرس، ثم جاءوا بالطبيخ فوضعوا في كل طبلية صحنًا كبيرًا أو صحنين ليغرف أحد أهل الطبلية ويقسم على الجميع، فيعطي لك إنسان في صحنه شيئًا يقطعه بالسكينة التي قدامه، ثم يوصله إلى فمه بالشوكة التي بيده، فلا يأكل الإنسان بيده أصلًا ولا بشوكة غيره أو سكينته أو يشرب من قدحه أبدًا، ويزعمون أن هذا أنظف وأسلم عاقبة"ويسترسل الطهطاوي في وصف الصحون والأطباق وأطنب الطهطاوي في الهيام بالشوربة الفرنسية والقهوة والشاي والمقبلات والسلاطة!! لكنه نسي أن يذكر لنا هل كان يمسك الشوكة بيده اليمنى أم اليسرى!!"
ولايخفى علينا أن هذا الإسهاب في وصف البيت الفرنسي ليس من قبيل التسلية وإضفاء مسحة التشويق في الكتابة، بل إن الطهطاوي نقل أنموذجًا غريبًا إلى مجتمعاتنا الإسلامية بحكم أنها شعوب مقهورة، ومغلوبة على أمرها، والمغلوب يتطلع دائمًا إلى من هو أقوى منه سواء في الحكم أو في المأكل والملبس! فالطهطاوي نظر إلى الأنموذج الغربي على انه أرقى درجة التحضر والتمدن وأرقى عقلانية وأوسع معرفة! هكذا ينظر المهزوم إلى المنتصر! هكذا ينظر المغلوب التائه الحائر إلى القوي المتغلب!
وقد سبر اين خلدون غور هذه الأنفس المنهزمة فشخص لنا هذه الحالة المتكرة في تاريخ الإنسانية بقلمه الواعي الراصد لمثل هذه الظواهر البشرية:"المغلوب دائمًا مولع بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده."
والسبب في ذلك أن النفس تعتقد الكمال في من غلبها وانقادت إليه؛ إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي إنما هو لكمال الغالب وتشبهت به.
وذلك هو الإقتداء أو لما تراه ـ والله أعلم ـ من أن غلب الغالب لها ليس بعصبية ولاقوة بأس، وإنما هو بما انتحلته من العوائد والمذاهب تغالط أيضًا بذلك عن الغلب.
وهذا راجع للأول، ولذلك ترى المغلوب يتشبه أبدًا بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه، في أخذها وأشكالها، بل وفي سائر أحواله.
وانظر ذلك في الأبناء مع آبائهم كيف تجدهم متشبهين بهم دائمًا. وما ذلك إلا لاعتقادهم الكمال فيهم.