فهرس الكتاب
وانظر إلى كل قطر من الاقطار كيف يغلب على أهله زي الحامية وجند السلطان في الأكثر لأنهم الغالبون لهم حتى إنه إذا كانت أمة تجاور أمة أخرى ولها الغلب عليها فيسري إليهم هذا التشبيه والإقتداء حظ كبير.
تأمل هذا في سر قولهم: العامة على دين الملك! فإنه من بابه. إذ الملك غالب لمن تحت يده والرعية مقتدون به لإعتقاد الكمال فيه"."
أقول: الشيخ رفاعة الطهطاوي بهرته الحضارة الغربية المادية ولأنه مهزوم ومغلوب اعتقد فيهم الكمال فنقل لمجتمعاتنا الإسلامية صورًا سياسية واقتصادية واجتماعية وحياتية لهذا المتغلب القوي لكي يحتذي به عالمنا الإسلامي وهنا كان مكمن الخطورة لدى التجربة الطهطاوي في باريس فنراه ينقل لنا كل شئ في فرنسا حتى حفلات الرقص يصفها بالتفصيل بل ويحسنها.
وهذا ما سنتكلم عنه في الفصل الثالث من هذا الكتاب.
الفصل الثاني -اللبنات الأولى للحياة البرلمانية والقوانين الوضعية
لقد اختمرت الفكرة العلمانية في عقل الشيخ الأزهري رفاعة الطهطاوي بعد أن استقاها من عدة مصادر نذكر منها:
أولًا: اطلاعه على الدستور الفرنسي وترجمته للقوانين الفرنسية.
ثانيًا: معاصرته للثورة الفرنسية:
فقد شهد الطهطاوي أحداث ثورة الشعب الفرنسي 1830م على الملك شارل العاشر..
حيث عاش الطهطاوي أحداث هذه الثورة ونزل في شوارع باريس وسجل غضب الجماهير وتحركاتهم المسلحة، ووصف انتصاراتهم ضد السلطة الحاكمة، وتكلم عن السلطة الثورية المؤقتة التي أقاموها في الأحياء.
"هذه هي ثورة 1830 التي عاشها رفاعة الطهطاوي يومًا بيوم ومسه منها لهيب أشعل قلبه وأضاء عقله، وعلمه أن الحرية جوهرها مرادف انساني".
وفي هذا الوصف المثير صور رفاعة الطهطاوي كيف استولى الشعب في باريس على الأوتيل دي فيل وهي دار البلدية، وكيف خرج الحرس الوطني للدفاع عن الشعب، وكيف رفع الفرنسيون من جديد التريكولور - أي العلم المثلث الألوان - على الكنائس، والمباني العامة. وهو علم الثورة الفرنسية الذي كانت الملكية قد ألغته بعد سقوط نابليون وعودة الحكم إلى البوربون وكيف انضم الجيش إلى الثوار، وكيف انتهى الأمر بعزل شارل العاشر وطرد ولي العهد إلى إنجلترا، وبتولي لافاييت رئاسة الحكومة المؤقتة وبعودة لويس فيليب، دوق أورليان، ليكون وصيًا على العرش ثم إعلانه ملكًا على الفرنسيين، بعد أن أقسم يمين الولاء للدستور.
فأسباب ثورة 1830 كما شرحها رفاعة الطهطاوي لمثقفي جيله تتلخص في شئ واحد وهو الأوتوقراطية أو الحكم المطلق.
وقد تجلت أوتوقراطية شارل العاشر في خرقه دستور 1818 مرتين: مرة بتمسكه بوزارة بولينياك التي أقالتها الأغلبية البرلمانية ولجوئه إلى إصادر سلسلة من القوانين غير الدستورية دون الرجوع إلى البرلمان، وأمره بفرض الرقابة على المطبوعات وبمصادرة حرية الصحافة وحرية التعبير بوجه عام"."
أقول: هذه الثورة التي يشيد بها الطهطاوي ثورة الححادية معدية لأي دين، قامت للقضاء على الرابطة الدينية لدى الشعوب المسيحية، وأكدت على عبادة الفرد والمصلحة وإطلاق العنان لرغبات الفرد وقد أدت إلى تفسخ المجتمع الواحد وتفرق الناس شيعًا وأحزابًا ووقع المجتمع في فوضى وتناحر نتيجة لتشعب الآراء واختلاف المشاعر التي كان يوحدها الدين.
فالشيخ الطهطاوي أعجبه بريق الحرية التي نادت بها الثورة الفرنسية وحالة الأمن والرخاء المادي في المجتمع الفرنسي ولم يسبر غور مبادئ الثورة الفرنسية وأسباب اندلاعها ومن وراء أحداثها فهو لم يفهم من الحرية معناها الواسع الذي عنته الثورة الفرنسية وهي ثورة لا دينية، بل هي ثورة معادية للدين، وأصبع الماسونية وأثر الصهيونية العالمية فيها واضح مشهور.
لم يفهم الطهطاوي الحرية في ذلك المعنى اللاديني الواسع الذي يشمل حماية القانون لكل الأعمال والأقوال التي تهز القيم الدينية والأعراف الإجتماعية.
وتجاهر بمخالفتها وتسفيهها، والتي تنشر الفوضى وتفرق الجماعة بالتشكيك فيما يلتقي عليه الناس من عقائد وقيم، والتي تطلق للشهوات العنان لأنها لاترى أن على الدولة التزامًا دينيا أو خلقيًا.
ثالثًا: أساتذته الذين أشرفوا على تعليمه في فرنسا:
من أمثال: المسيو"جومار"المشرف على البعثة التعليمية. والكونت"دي شبرول"محافظ ولاية السين وعضو مجلس النواب، وأحد علماء الحملة الفرنسية على مصر.
ورئيس بعثة الإستشراق في عصره"سلفستردي ساسي"والمستشرق"كوسان دي برسفال"وقد تتلمذ الطهطاوي على مجموعة من أنبه علماء فرنسا في ذلك الوقت وعقد معهم صداقات وعكف على مؤلفاتهم، ولم تفته أمهات هذه المؤلفات منها:"روح القوانين"لمنتسكيو و"العقد الإجتماعي"لجان جاك روسو..إلخ.
وقد ذكر الطهطاوي في كتابه (تخليص الإبريز) بعض المراسلات بينه وبين كبار علماء فرنسا، وذكر عبارات الحفاوة والتشجيع التي كتبها له هؤلاء العلماء.
فيقول عن نفسه: رسالة من المسيو دساسي:"فيمن كاتبني عدة مرات مسيو دساسي، ولنذكر لك بعض مكاتبيه، فمنها ما كتبه باللغة العربية، ومنها ما كتبه باللغة الفرنساوية. صورة مكتوب منه:"من الفقير إلى رحمة ربه، سبحانه وتعالى، إلى المحب العزيز المكرم والأخ المعز المحترم الشيخ الرفيع رفاعة الطهطاوي، صانه الله عزوجل، من كل مكروه وشر، وجعله من ذي العافية وأصحاب السعادة والخير. أما بعد فإن القطعة التي أكملت المطالعة فيها من كتابك النفيس وحوادث إقامتك في باريس رددتها إليك على يد غلامك، ويصلك صحبتها حاشية مني على ماتقوله في باب الفعل في لغتنا الفرنساوية، فإذا نظرت فيها تبين لك صحة ما نستعمله من صيغة الفعل الماضي، فمن الواجب عليك أن تصنف كتابًا يشتمل على نحو اللغة الفرنساوية المتداولة عند أمم أوربا كلها وفي ممالكها حتى يهتدي أهل مصر إلى موارد تصانيفنا في فنون العلوم والصناعات ومسالكها، فإنه يعود لك في بلادك أعظم الفخر، ويجعلك عند القرون الآتية دائم الذكر ودمت سالمًا. كتبه المحب: سلوستري دساسي. انتهى"."
ورسالة من المسيو جومار:"لما أراد مسيو رفاعة أن أطلع على كتاب سفره، المؤلف باللغة العربية، قرأت هذا التاريخ، إلا اليسير منه، فحق لي أن أقول: أنه يظهر لي أن صناعة ترتيبه عظيمة، وأن منه يفهم إخوانه من أهل بلاده فهمًا صحيحًا عوائدنا وأمورنا الدينية والسياسية والعلمية، ولكنه يشتمل على بعض أوهام إسلامية. (..) وبالجملة فقد بان لي أن مسيو رفاعة أحسن صرف زمنه مدة إقامته في فرنسا، وأنه اكتسب فيها معارف عظيمة، وتمكن منها كل التمكن، حتى تأهل لأن يكون نافعًا في بلاده، وقد شهدت له بذلك عن طيب نفس، وله عندي منزلة عظيمة، ومحبة جسيمة. البارون: سلوستري دساسي. باريس في شهر فبراير سنة 1831 - 19 في شعبان سنة 1246". وهناك بعض الرسائل الأخرى من مسيو كوسين دي برسوال المؤرخة بتاريخ 24 فبراير1831 ولكن نكتفي بهذين المثالين.
رابعًا: تأثره بآراء"سان سيمون":
وهو مفكر فرنسي ولد عام 1760 وهو مؤسس المذهب الوضعي الذي يرى تطبيق المبادئ العلمية على جميع الظواهر الطبيعية والإنسانية، وفهمها بعيدًا عن الدين تمامًا وقد اصر"سان سيمون"الثورة الفرنسية.
بل يعتبره البعض من أبرز محركيها كما أنه المؤسس الفعلي لعلم الإجتماع، فهو أستاذ"أوجست كونت"الذي تعرف عليه سنة 1817م وجعله سكرتيرًا له لمدة ست سنوات، ومنه استقى"أوجست كونت"مبادئ تقويض الدين وتدميره، وقد تأثر بأفكاره كارل ماركس.
وخلاصة مذهب سيمون الإلحادي: