فهرس الكتاب
"أ- يرى سيمون أن الإنسان هو الذي اخترع الله مدفوعًا بدوافع مادية! وبعد أن تم له ذلك الإختراع اعتقد في أهمية نفسه، ويذهب سان سيمون إلى أبعد من ذلك فيقول: إن الله في الحقيقة فكرة مادية، وهي نتيجة لدورة السائل العصبي في المخ."
ب - اقترح سان سيمون تكوين جمعية من واحد وعشرين عضوًا لتمثيل الإدارة الإلهية في الكون، ويقول سان سيمون: إن الله يحدثه، ويحى إليه بفكرة الديانة الجديدة - ديانة نيوتن - ويقول له: إن مجلس سوف يمثلني على الأرض، فيقسم الإنسانية إلى أربعة أقسام: الإنجليزية، والفرنسية، والألمانية، والإيطالية، وسوف يكون لكل قسم من هذه الأقسام مجلس على غرارالمجلس الرئيس، وسوف يرتبط كل فرع في العالم مهما كان موطنه بأحد هذه الأقسام (الأوروبية الغربية بالطبع) ، وبالمجلس الرئيس ومجلس القسم الذي يتبعه، وينتخب النساء في هذه المجالس على قدم المساواة مع الرجال"."
وقد التقى الطهطاوي بتلاميذ سان سيمون في مدرسة الهندسة العسكرية بباريس، وتأثر بأفكارهم بل والتقى بهم في القاهرة عقب عودته إلى مصر، ونقل الطهطاوي أهداف الماسونية في مؤلفاته، بمعنى أوضح التقى الطهطاوي وأتباع سان سيمون على هدف واحد هو القضاء على الإسلام، وتغريب المسلمين بحجة التطوير، ومواكبة التحديث الأوروبي.
هكذا اصطنع الطهطاوي على أعين علماء الفكر المادي الحديث في فرنسا، وهؤلاء هم شيوخه الجدد الجدد!! وهذه أهم الينابيع التي استقى الطهطاوي منها أفكاره التي نقلها إلى العالم الإسلامي.
وكانت أخطر الصور التي نقلها الطهطاوي إلى مجتمعاتنا هي الحياة البرلمانية ومجالس التشريع وهي عصب المنظومة الغربية بل وعمودها وإن اختلفت أشكالها.
ومن منطلق هذه التقدمة، سنلقي الضوء على بعض الأفكار التي استقاها الطهطاوي من الدستور الفرنسي كقضية الحقوق المدنية التي تعتمد على ركيزتين هما (المساواة والحرية) وقد دندن الطهطاوي حول هذه الحقوق في معظم كتبه وهي التي جعلته مغرمًا بالمنظومة الغربية:
أولًا: الدستور الفرنسي والكلام عن الحياة البرلمانية:
بداية لم يكن الطهطاوي مترجمًا بالمعنى الحرفي لهذه المهنة، بل إن الطهطاوي قد تجاوز ذلك كثيرًا..
فالشيخ رفاعة يقوم بالترجمة والشرح والتعليق وابداء وجهة نظره في كثير من القضايا وهذا ما سنوضحه على النحو التالي:
يقول الطهطاوي في تقدمته لترجمة الدستور الفرنسي:"والقانون الذي يمشي عليه الفرنساوية الآن ويتخذونه أساسًا لسياستهم، هو القانون الذي ألفه لهم ملكهم المسمى لويز الثامن عشر ولايزال متبعًا عندهم ومرضيًا لهم وفيه أمور لاينكره ذووا العقول أنها من باب العدل. والكتاب المذكور الذي فيه هذا القانون يسمى الشرطة. ومعناها في اللغة اللاطينية ورقة، ثم تسومح فيها فأطلقت على السجل المكتوب فيه الأحكام المقيدة، فنذكره لك، وإن كان غالب ما فيه ليس في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لتعرف كيف قد حكمت عقولهم بأن العدل والإنصاف من أسباب تعمير الممالك وراحة العباد، وكيف انقادت الحكام والرعايا لذلك حتى عمرت بلادهم، وكثرت معارفهم، وتراكم غناهم، وارتاحت قلوبهم، فلاتسمع فيهم من يشكو ظلمًا أبدًا، والعدل أساس العمران."
أقول: نلاحظ أن الطهطاوي يمدح دين العلمانية؛ فقانونهم البشري هو الذي أراح بالهم وعقولهم وكثرت معارفهم وتراكم غناهم وارتاحت قلوبهم..إلخ .
وكأن الرجل يتكلم عن الدولة العمرية أو الخلافة الراشدة! ولا نقول على الرجل؛ فالطهطاوي يعلم أنه يتكلم عن قوانين وضعية من أدمغة بشرية كما يقول"وإن كان غالب مافيه ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم"ورغم هذا الوضوح انبرى الأستاذ فتحي رضوان مدافعًا عن عبارة الطهطاوي المذكورة:"ولم يكن قصد الطهطاوي بهذه العبارة الإشارة إلى علمانية الحكم الفرنسي، أي فصل الدين عن الدولة".
وتصداقًا لوجهة نظرنا نجد أن معظم من كتب عن الطهطاوي يثبت مدح الطهطاوي العلمانية الغربية؛ فالدكتور محمد عمارة محقق الأعمال الكاملة لمؤلفات الطهطاوي يذكر:"فالطهطاوي يمتدح علمانية الفرنسيين وتسامحهم الديني الناتج عن هذه العلمانية".
ولمزيد من تلبس الطهطاوي بالفكرة العلمانية وخاصة في التشريع، يقول الطهطاوي في كتابه مناهج الألباب"ثم إن الحالة الراهنة اقتضت أن تكون الأقضية والأحكام على وفق معاملات العصر، بما حدث فيها من المتفرعات الكثيرة المتنوعة بتنوع الأخذ والإعطاء من الأنام"، ولنا وقفة مع هذه الفقرات في الفصل الثالث - إن شاء الله - وفي هذا القدر كفاية.
عود إلى الدستور الفرنسي حيث يترجم الطهطاوي مواد الدستور بالتفصي المتعمد، ثم يشرع في التعليق على بعض بنوده، وقد أفسح لها المجال في فصل كامل في كتابه تخليص الإبريز.
نختار بعض الفقرات والبنود التي ترجمها وعلق عليها الشيخ رفاعة: ذكر الطهطاوي في ترجمة ديباجة الدستور الفرنسي"وفي هذا القانون عدة مقاصد؛"
المقصد الأول: (الحق العام للفرنساوية) .
الثاني: (كيفية تدبير المملكة) .
الثالث: (في منصب ديوان البير) .
الرابع: (في ديوان رسل العمالات الذين هم أمناء الرعايا ونوابهم) .
الخامس: (في منصب الوزراء) .
السادس: (في طبقات القضاة وحكمهم) .
السابع: (في حقوق الرعية) "."
ثم شرع الطهطاوي في ذكر مواد الدستور الفرنسي نختار منها:"المادة الخامسة عشر: (تدبير أمور المعاملات بفعل الملك وديوان البير ورسل العمالات) ".
ولنترك الطهطاوي يوضح لنا وظيفة هذه الديوانين:"وظيفة أهل ديوان البير: تجديد قانون مفقود أو إبقاء قانون موجود على حاله ويسمى عند الفرنساوية شريعة، فلذلك يقولون: شريعة الملك الفلاني. ومن وظيفة ديوان البير أن يعضد حقوق تاج المملكة ويحامي عنه ويمانع سائر من يتعرض له، وانعقاد هذا الديوان يكون مدة معلومة من السنة في زمن اجتماع ديوان رسل العمالات بإذن ملك الفرنسيس، وعدد أهل ذلك الديوان غير منحصر في مخصوصة، ولايقبل دخول الإنسان فيه إلا وهو ابن خمسة وعشرين سنة، ولايشرك في الشورى إلا وهو ابن ثلاثين سنة، مالم يكن من بيت المملكة، وإلا فبمجرد ولادته يحسب من أهل هذا الديوان، ويشرك في المشورة حين يبلغ عمره خمسة وعشرين سنة، وكانت وظيفة البيرية متوارثة للذكور، فيقدم أكبر الأولاد، ثم بعد موته يقدم من يليه، وهكذا".
ويشرح لنا الطهطاوي وظيفة ديوان رسل العمالات قائلًا:"ووظيفة ديوان رسل العمالات غير متوارثة، ووظيفتهم امتحان القوانين والسياسات والأوامر والتدبير، والبحث عن إيراد الدولة ومدخولها ومصرفها، والمنازعة في ذلك، والممانعة عن الرعية في المكوس والفرد وغيرها إبعادًا للظلم والجور، وهذا الديوان مؤلف من عدة رجال ينصبهم أهالي العمالات، وعددهم أربعمائة وثمانية وعشرون رسولًا، ولا يقبلون إلا بعد بلوغ كل واحد منهم أربعين سنة، ولابد أن يكون لكل واحد منهم عقارات تبلغ فردتها ألف فرنك كل سنة"، تأمل! هذا الوصف المسهب لهذه المادة!