فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 719

فالطهطاوي يتحدث عن ديوان البير وهو بمثابة مجلس شورى للسلطة الحاكمة، ويشبه هذا الديوان مجلس اللوردات في انجلترا. ثم يتحدث عن ديوان رسل العمالات وهو ما يسمى بمجلس التشريع وهو يشبه مجلس العموم البريطاني، ومايسمى بمجالس الشعب أو الأمة في بلادنا هذه الأيام.. ونلاحظ أن الطهطاوي تكلم عن وظيفة الديوان وشروط وكيفية عضوية هذه المجالس بالتفصيل!! وكأنه يقول لمجتمعاتنا الإسلامية هذه صورة مثلى لحكم العلمانية الغربية فحري بكم أن تطبقوها في مجتمعاتكم!! وفعلًا نزلت كتابات الطهطاوي على أرض الواقع وصرنا ندور في فلك المنظومة التي كان ينشدها الشيخ رفاعة الأزهري النشأة، الصوفي النزعة، الأشعري العقيدة!! ولن نطيل في التعليق على مواد الدستور الفرنسي ولكن سنتعرض لبعض القضايا المنبثقة من قضية ترجمة الدستور الفرنسي التي أثارها الطهطاوي في كتبه وتغنى بها العلمانيون الجدد وهي كثيرة منها: الحقوق المدنية ومايتعلق بها مثل (المساواة ـ الحرية) .

قضية الحقوق المدنية:

لم يستخدم الطهطاوي مصطلح الحقوق المدنية في كتابه تخليص الإبريز أي في بداية حياته وهو في ريعان شبابه، لكنه استخدم المصطلح المذكور بعد أربعين سنة وكان ذلك في كتابه مناهج الألباب الذي ألفه سنة 1870لقد تحدث الطهطاوي عن الحقوق المدنية أو مايسمى بإعلان حقوق الإنسان والمواطنة حيث ذكر ذلك في خاتمة كتابه مناهج الألباب في الفصل الأول تحت عنوان (حقوق الرعية) .

ويعرف الطهطاوي الحقوق المدنية قائلًا:"هي حقوق أهل العمران بعضهم على بعض لحفظ أملاكهم ومالهم وما عليهم، محافظة ومدافعة، ويتفرع من حقوق المملكة العمومية أي الساسة والإدارة الملكية، ومن الحقوق المدنية الشخصية فرع آخر من الحقوق مايسمى بحقوق الدوائر البلدية، يعني حقوق النواحي والمشيخة البلدية، فهذه الحقوق تتعلق بالامتيازات الخصوصية لكل ناحية"أقول: نلاحظ أن الطهطاوي لم يأت بجديد فهذه الحقوق مدونة في كتب الفقه الإسلامي تحت مقاصد الشريعة الإسلامية نجدها في أبواب المعاملات والأنكحة، والفرائض، والوصايا، والحدود، والجنايات، والأقضية، والبينات والدعاوى..إلخ. فالطهطاوي يتكلم عن القانون الإداري والقانون الدستوري بالمفهوم الغربي الحديث لذلك بسط الكلام عن الدوائر البلدية وطريقة انتخاب أعضاء المجالس التشريعية والبلدية..

فالطهطاوي ينقل الأنموذج ويرسم السياسة من خلال ترجمته ومؤلفاته. لذلك لاغرو أن يشيد العلمانيون الجدد بعبقرية الطهطاوي ومنهجيته؛ حيث امتدحه لفيف من الكتاب والأدباء؛ فهذا سمير أبوحمدان يقول عن الطهطاوي بعد تعليقه على قضية الحقوق المدنية:"لعله من نافل القول بأن رفاعة الطهطاوي يأتي في طليعة من تصدى، في مصر لمسألة الحريات والحقوق المدنية."

وتأسيسًا على ذلك نستطيع أن نعتبره عن حق أب الديمقراطية المصرية. ولعل رفاعة في تركيزه على هذه النقطة أي الحريات والحقوق المدنية.

كان ينطلق من فهم عميق لبنية الدولة الحديثة.

فلن تكون الدولة الحديثة في متناول اليد، وفي متناول المصريين تحديدًا، مالم يطالبوا بدستور يحفظ حقوقهم المدنية وحرياتهم. فلاحداثة بغير حريات، ولادولة على نمط ما هو سائد في أوربا بغير حقوق مدنية تحفظ كرامة الإنسان وتنظر إليه كقيمة قائمة بذاتها"تأمل! هذه الأوصاف التي يرددونها (لاحداثة بغير حريات) (ولا دولة على نمط ماهو سائد في أوروبا بغير حقوق مدنية تحفظ كرامة الإنسان) أي بمفهوم المخالفة: لا حداثة طالما الإسلام يحكم!! لا دولة على النمط الأوروبي طالمًا الإسلام يحكم!! لا كرامة للإنسان في ظل حكم إسلامي!! هذا ما يريده الطهطاوي ومريدوه وتلاميذه.. إسلام الموالد والدراويش!! إسلام كنسي لاغير!! نتكلم الآن عن قضيتين متعلقتين بموضوع الحقوق المدنية ذكرهما الطهطاوي بصدد شرحه للدستور الفرنسي:"

(أ) المساواة:

ذكر الشيخ رفاعة نص المادة الأولي من الدستور الفرنسي:"سائر الفرنساوية مستوون قدام الشريعة"ويعلق الطهطاوي على نص هذه المادة قائلًا:" (الفرنساوية مستوون) .. معناه سائر من يوجد في بلاد فرانسا من رفيع ووضيع لايختلفون في إجراء الأحكام المذكورة في القانون حتى إن الدعوة الشرعية التي تقام على الملك، وينفذ عليه الحكم كغيره، فانظر إلى هذه المادة الأولى فإن لها سلطانًا عظيمًا على إقامة العدل وإسعاف المظلوم وإرضاء خاطر الفقير بأنه العظيم نظرًا إلى إجراء الأحكام، ولقد كادت هذه القضية أن تكون من جوامع الكلم عند الفرنساوية، وهي من الأدلة على وصول العدل عندهم إلى درجة عالية، وتقدمهم في الآداب الحاضرة".

هكذا يستمر الطهطاوي في الإطراء بعلمانية فرنسا ويمتدح قوانينهم لدرجة الهيام! فنص المادة الأولى أخذ بلبه وطفق يردد (لافرق بين حاكم ومحكوم.. الكل أمام القانون سواء.. كادت هذه القضية أن تكون من جوامع الكلم عند الفرنساوية) .. لو كان غير الشيخ رفاعة قالها لقلنا ربما لم يقرأ الرجل عن العدل والمساواة والحرية في شريعة الإسلام!!

فهل يجهل الطهطاوي وهو الشيخ الأزهري مقاصد ومحاسن الشريعة الإسلامية؟! هل يجهل الطهطاوي مبادئ شريعننا الغراء التي سطرت للبشرية صحائف من ضياء حيث العدل والمساواة والحرية ورفع الظلم..إلخ، تلكم الشريعة التي طبقها الإئمة الإعلام عدة قرون؟! أكاد أجزم أن الطهطاوي يعلم يقينا أن تاريخ الإسلام حافل بمثل هذه المبادئ والشعارات التي عرفها في باريس.. فالطهطاوي ربيب الأزهر يعلم أحكام الشريعة الإسلامية جيدًا ومن ثم نستطيع أن نؤكد أنه لا يشفع للطهطاوي جور حكام زمانه وبعدهم عن شريعة الإسلام أن يستورد للمسلمين قوانين الفرنجة ويتغنى بها لتحل محل شريعة الرحمن!!

وقد وقع الطهطاوي في تناقض عجيب!! ففي الوقت الذي يشيد فيه بنص المادة الأولى من الدستور الفرنسي (سائر الفرنساوية مستوون قدام الشريعة) .. (فلا فرق بين حاكم ومحكوم ولابين رفيع ووضيع) .. نجد هذه المادة التي هي من جوامع الكلم عند الفرنساوية على حد قوله! تصطدم بنص المادة الرابعة والثلاثين في باب كيفية تدبير المملكة الفرنساوية.

وهذا نصها: المادة الرابعة والثلاثون: لايمكن أن يقبض أحد على واحد من أهل ديوان البير إلا بأمر ذلك الديوان، ولايمكن أن يحكم عليه غيرهم في مواد الجنايات"."

أقول: تأمل! هذه المادة تتكلم عن الحصانة البرلمانية لعضو مجلس النواب (شورى/شعب/أمة) بمعنى أن أي عضو يرتكب أية جريمة سواء (جناية/جنحة/مخالفة) فإنه لايستطيع أحد أن يحرك ضده الدعوى العمومية إلا بعد موافقة مجلس الشعب أو الشورى ولايستطيع مأمورة الضبط القضائي أن يقبض عليه بموجب هذه الحصانة!!

فأين المساوة وأين (لافرق بين حاكم ومحكوم) !! وأين (جوامع الكلم) !! هذه المادة التي صدرتها الثورة الفرنسية وهي مادة استغلال النفوذ؛ تعطي امتيازات لطبقة من أبناء المجتمع على حساب الآخرين، فلا يستطيع أحد أن يقاضي عضو مجلس النواب إلا بعد موافقة المجلس وهي عملية معقدة، وقد لايوافق المجلس على سحب الحصانة من العضو!! فأي مساواة هذه التي يبشرنا بها الطهطاوي؟!!

وأين هذه المساواة من قول الرسول صلى الله عليه وسلم:"لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها".

أين هذا من التطبيقات الواقعية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم في إقامته حد القذف على حسان بن ثابت رضي الله عنه؛ رجل الإعلام الأول الذي كان ينافح عن دعوة الإسلام؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت