فهرس الكتاب
وأين هذه المساواة من قول عمر رضي الله عنه لأحد أقباط مصر وهو يشكو ابن الحاكم"اضرب ابن الأكرمين".. أين حصانة عمرو بن العاص الذي جيئ به من مصر وهو واليها، ليحاكم أمام أحد رعيته، ويقتص من ابنه وأمام جمع من عامة المسلمين!!
وهل نسي الطهطاوي أو تناسى عدل الرشيد وآل زنكي وصلاح الدين الأيوبي؟!! التاريخ الإسلامي ذاخر بهذه الوقائع النورانية ولكن ماذا عسانا أن نقول إزاء هؤلاء المهزومين الذين يستضيئون بنار العلمانية!!
(ب) : الحرية:
ذكر الطهطاوي في ترجمته للدستور الفرنسي:"المادة الرابعة: ذات كل واحد منهم يستقل بها، ويضمن له حريتها، فلايتعرض له إنسان إلا ببعض حقوق مذكورة في الشريعة، وبالصورة التي يطلبه بها الحاكم"وذكر أيضًا:"المادة الثامنة: لايمنع إنسان في فرنسا أن يظهر رأيه، وأن يكتبه، ويطبعه، بشرط أن لايضر مافي القانون، فإذا ضر أزيل"، ويعلق الطهطاوي علي هاتين المادتين قائلًا:"أما المادة الرابعة: فإنها نافعة لأهل البلاد والغرباء، فلذلك كثر أهل هذه البلاد وعمرت بكثير من الغرباء. أما المادة الثامنة: فإنها تقوي كل إنسان على أن يظهر رأيه وعلمه وسائر ما يخطر بباله مما لايضر غيره، فيعلم الإنسان سائر ما في نفس صاحبه".
ثم يتكلم الطهطاوي تحت بند (خلاصة الحقوق الفرنساوية الآن بعد سنة 1830) :"ومن الأشياء التي ترتبت على الحرية عند الفرنساوية أن لكل إنسان يتبع دينه الذي يختاره يكون تحت حماية الدولة. ويعاقب من تعرض لعابد في عبادته، ولايجوز وقف شئ على الكنائس أو إهداء شئ لها إلا بإذن صريح من الدولة، وكل فرنساوي له أن يبدي رأيه في مادة السياسات أو في مادة الأديان، بشرط أن لايخل بالإنتظام المذكور في كتب الأحكام".
وفي كتابه مناهج الألباب ينقل الطهطاوي وصية القس الفرنسي (فنلون) لولي عهد بريطانيا (جرجس جاكس) وكان بروتستاني المذهب:"إذا آل الملك إليك أيها الأمير لاتجبر رعيتك القاثوليقية (الكاثوليكية) على تغيير مذهبهم ولاتبديل عقائدهم الدينية، فإنه لاسلطان يستطيع أن يتسلطن على القلب وينزع منه صفة الحرية".
هكذا يستمر الطهطاوي في تحسين صورة الثورة الفرنسية وشعاراتها وينقل لنا وصية القلس الفرنسي فنلون باعتبره غير متعصب وإظهار صورة ولي عهد بريطانيا على أنه حاكم يتقبل النصيحة، وفي الجملة تحين لدين الغرب الجديد باعتبارهم أهل المعارف والعلوم والتقدم ودعاة الحرية التي يجب على العالم الإسلامي أن يسير على نفس الصراط الغربي!!
رغم أن الواقع يكذب مثل هذه الوصايا فيما يسمى بحرية العقائد؛ ذلك الشعار المزيف لدى الغرب! فالحرب بين أهل الملة المسيحية لم تزل مستعرة بين الكاثوليك والبروتستانت في أوروبا أم الحريات! وبين الكاثوليك والأرثوذكس!! أما العداء العقدي المستمر والمستعر ضد الإسلام فلايخفى على أحد!! فكان أولى بالطهطاوي أن يذكر المسلمين بمحنة إخوانهم في الجزائر الذين يكتوون بنير الآلة العسكرية الفرنسية! نعم فرنسا أم الحريات التي اعتبر الطهطاوي حربها مع فرنسا من أجل مشاكل تجارية!! كان الأولى أن يتكلم عن الحرية التي نالها المسلمون في محاكم التفتيش في الأندلس!!
أما قضية الحرية العقدية؛ فالإسلام هو الدين الوحيد الذي رسخ هذا المبدأ الذي يتشدق به العلمانيون أمس واليوم! (لاإكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) .. لولا سماحة الإسلام وعدل ولاته وسلاطينه لما قامت لأوروبا قائمة! لو عامل طارق بن زياد وموسى بن نصير وعبد الرحمن الناصر وابن أبي عامر وابن تاشفين وغيرهم من ملوك الإسلام لو عاملوا نصارى الأندلس والبرتغال بنفس معاملة إليزابيث وفردريك وغيرهم من ملوك ورؤساء أوروبا لما قامت للمسيحية قائمة إلى وقتنا الحاضر!! ولكن قدر الله كان مقدورا!!
فهل أفلس التاريخ الإسلامي ليأتي الطهطاوي بوصية القس (فنلون) كعنوان لحرية العقائد وعدم التعصب! ويترك آيات الله ووصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مرض الموت وهو يوصي بأهل الذمة خيرًا! وهذه شهادة رجل من أهل أوروبا تصداقًا لما نرى؛ إذ يقول (ستنلي لينبول) منددا بوحشية بني جلدته ومشمئزًا من سوء أخلاقهم وقسوتهم مع مسلمي الأندلس:"وكانت أخلاقهم على اتساق مع رعيتهم، وماكان يتوقع من هؤلاء الجفاة المتوحشين إلا التعصب والقسوة، فإنهم لم يؤمنوا مستجيرًا، ولم يتركوا فارًا، ولم يبقوا على جريح، وهذا يذكرنا والحزن ملء صدورنا، بما كان للعرب من بطولة ورفق وسماحة خلق، فكثيرًا ما عفوا عن أعدائهم نبلاء متكرمين، بينما نرى اليوم أن رجال ليون وقشتالة العتاة، يذبحون جميع الحاميات، ويستأصلون مدنًا مليئة بالقطان، حتى إذا نجا من سيفهم لم ينج من استعبادهم".
وهل انتهى عداء الغرب للإسلام وأهله؟! لم ينته بعد وما محنة المسلمين في قلب أوروبا عنا ببعيد؛ البونسة والهرسك وكوسوفو، وتزايد العداء ضد الأقليات المسلمة التي تعيش في دول الحريات والتحضر والمدنية وحرية العقائد كفرنسا أول دولة غربية تتخذ العلمانية دينًا قامت قيامتهم يوم أن وضعت طالبة مسلمة على رأسها خمارًا!! وبريطانيا وألمانيا وغيرهم من دول الغرب بالإضافة إلى الدولة الأولى في العالم أمريكا التي جعلت الإسلام عدوها الأول وهي التي تتبنى سياسة التخويف من الإسلام وضربه وحصاره وتجويع شعوب المسلمين!!
تكلم الطهطاوي عن سلطات الدولة الحديثة في كتابه (مناهج الألباب) :"فالقوة الحاكمة العمومية وما يتفرع عليها تسمى أيضًا بالحكومة وبالملكية، هي أمر مركزي تنبعث منه ثلاثة أشعة قوية تسمى أركان الحكومة وقواها؛"
فالقوة الأولى: قوة تقنين القوانين، تنظيمها وترجيح ما يجري عليه العمل من أحكام الشريعة أو السياسة الشرعية.
الثانية: قوة القضاء وفصل الحكم.
الثالثة: قوة التنفيذ للأحكام بعد حكم القضاة بها"."
هكذا نرى أول غيث للعلمانية (سلطة تشريعية/قضائية/تنفيذية) ثم ينهمر علينا الطهطاوي بسيل من ترجمات للقوانين والمؤلفات الفرنسية لإصباغ حياتنا بسربال من العلمنة الغربية المستوردة.
ثمرات الفكر الطهطاوي:
أما عن أثر هذه الأفكار الطهطاوية على أرض الواقع فنوجزها في النقاط التالية: ترجمة وتعريب القوانين:"عندما أراد الخديو إسماعيل إصلاح القضاء، أنشأ لترجمة القوانين الحديثة (قلم) الترجمة الجديد سنة 1863م، وعيّن رفاعة ناظرًا له فاستدعى تلاميذه القدامى الذين تخرجوا من مدرسة الألسن، وعاونوه في ترجمة القوانين، ومن هؤلاء التلاميذ القدامى: عبد الله السيد، وصالح مجدي، ومحمد قدري، ومحمد لاظ، وعبدالله أبوالسعود، وكان مقر هذا القلم في غرفة واحدة بديوان المدارس."
ومع ذلك أنجزوا ترجمة مجلدات القانون الفرنسي (كود نابليون) الذي طبع في بولاق مابين عامي سنة 1866 وسنة 1868م"ونزولًا على رغبة الخديو إسماعيل انكبّ الطهطاوي وآخرون على ترجمة القوانين الفرنسية وفي طليعتها القانون المدني وقانون الإجراءات الجنائية، وقانون العقوبات وهي كلها قوانين فرنسية، ولعل هذه الموسوعة القانونية كانت الأساس الذي بني عليه القانون المصري الحديث"هكذا تم ترجمة عدة قوانين في فترة زمنية وجيزة منها: تعريب الدستور الفرنسي الذي نشره الطهطاوي في (تخليص الإبريز) .
تعريب قانون العقوبات الفرنسي:
تعريب قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي.
تعريب قانون التجارة الفرنسي الذي طبع سنة 1868م.
تعريب القانون المدني الفرنسي الذي ترجمه االطهطاوي في مجلدين سنة 1868م.